2 - التغافل وحسن الظن :
ثمّة تدابير وقائية أولاها الإمام الصادق اهتماما خاصّا ؛ بهدف منع حدوث الخلافات والخصومات في المجتمع ، وهذه التدابير تتمثل في اعتماد التغافل وحسن الظن ، « والتغافل يعني أن يكون المرء عالما بالشيء ومطّلعا عليه ثم يتعمّد بإرادته أن يظهر نفسه وكأنه لا يعرف شيئا عنه » « 1 » .
فإذا كان هذا التغافل بهدف ستر العيوب الخفية للآخرين ، والتغاضي عن زلّاتهم التي لا ينبغي إظهارها ، فهو من صفات المؤمنين الحميدة ، ودليل على عظمة الفرد وكرامته ، كما يعدّ من العوامل الرئيسة لإصلاح المجتمع ، حيث يبعث على التحابّ والتقارب بين الناس ، وربما يحول دون وقوع النزاع والشجار ، ومن هنا يبرز دوره المهم في تخفيف آلام الحياة ومنغصاتها .
وبعبارة أكثر إيجازا ، التغافل في وقته وموضعه المناسب يعتبر من ضرورات الحياة الاجتماعية الهادئة السلمية التي يقتضيها كلّ من العقل والمصلحة . وقد تناول الصادق في نهجه التربوي هذا الموضوع قائلا : « صلاح حال التعايش التعاشر ملء مكيال ، ثلثاه فطنة ، وثلثه تغافل » « 2 » .
فليست الدنيا شيء وراء التعايش والتعاشر فيما بين البشر ، ولا بدّ من أن يعيش الناس عيشة ترضي اللّه ، لا نزاع فيها ولا خصام . والميزان الذي كال به الإمام ليوازن بين كفتي التعايش والتعاشر ، يمثل الانتباه والفطنة ثلثيه ، بينما يمثل التغافل عن بعض الأمور الثلث الباقي ، وهي نسبة لا يستهان بها .
فكما أن على المؤمن العاقل أن يتعامل مع مسائل الحياة بالتحقق والتدقيق واليقظة كي يتمكن من إحراز خيره وصلاحه ، وأن لا يغفل عن حيل أعدائه ومكرهم وسوء سعيهم ، بل عليه أن يكون دائما يقظا وعلى حذر ، ولكن في المقابل يجب أن لا تخلو حياته ومعاشرته من التسامح والتساهل ، حتى تصفو له وللآخرين أجواء المعاشرة والعلاقة .
وهذا التساهل يقتضي في بعض الأحيان أن يجعل الإنسان كثيرا من الأمور الجزئية في علاقته مع الآخرين في زاوية النسيان والإهمال ؛ لأن الدّقة الشديدة في متابعة كلمات الآخرين ومواقفهم ووضعها تحت المجهر قد يؤدي إلى مضاعفة المشكلات وخلق الحساسيات في أجواء المجتمع المسلم .
فالصادق يحرص كل الحرص على أن يعيش الناس مع بعضهم البعض في أمن ووئام ، وفي جوّ من الثقة المتبادلة ، وعدم الإسراع إلى تصديق ما يسمعه عن أصدقاء أو
هامش
( 1 ) محمد تقي فلسفي ، الأخلاق من منظور التعايش والقيم الإنسانية ، مرجع سابق ، ص 275 .
( 2 ) الحرّاني ، تحف العقول ، ص 359 .