كما ورد عن أبي حنيفة سائق الحاج « 1 » قال : مرّ بنا المفضل وأنا وختني نتشاجر في ميراث ، فوقف علينا ساعة ، ثمّ قال لنا : تعالوا إلى المنزل . فأتيناه ، فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده ، حتى إذا استوثق كلّ واحد منّا من صاحبه قال :
« أما إنها ليست من مالي ، ولكن أبو عبد اللّه أمرني : « إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء ، أن أصلح بينهما ، وأفتديهما من ماله » فهذا من مال أبي عبد اللّه » « 2 » .
وهكذا نلحظ كيف يكلّف الإمام بعضا من تلاميذه لحلّ الخلافات بين الناس بما يودع لديهم من ماله ؛ لأنه يشعر ويدرك أثر تعطيل دور الإصلاح في تنافر القلوب وضعف المودّة الاجتماعية إلى أبعد الحدود .
4 - العفو ومقابلة الإساءة بالإحسان :
فالمشاكل الاجتماعية بين الأفراد إنما تبدأ بخطأ من طرف أو شخص ، فإذا قوبل الخطأ بتصرف من جنسه كردّ فعل عليه ، ترسّخت المشكلة وتعقدت ، لذلك نجد أبا عبد اللّه يدعو في تربيته الاجتماعية إلى العفو والصفح عن المسيئين ، ويعتبر أن مقابلة الإساءة بالإحسان من أهم الأساليب المتبعة لعلاج الخصومات وإطفاء ثورة النزاعات .
فرغم أن من حقّ المظلوم أن يعاقب على السيئة بمثلها - وفق مقتضى العدل - إلا أنّ الأخلاق الإسلاميّة توصي بالعفو والمغفرة ، من غير تشجيع على الظلم والتمادي فيه ؛ لأن مرتبة الإحسان أعلى وأرفع ، وبها يصل الفرد إلى مستوى لا تمنعه معه الإساءة الشخصية من فعل الخير إلى المسئ ؛ لأنه إنما يفعله ابتغاء مرضاة اللّه .
وعلى هذا الأساس يستنكر الإمام الصادق وجود الحقد في قلب المؤمن بقوله :
« حقد المؤمن مقامه ، ثم يفارق أخاه فلا يجد عليه شيئا » « 3 » .
فعند ما يصل المرء إلى مرحلة دفن الحقد مباشرة وعدم ترك أي أثر منه في النفس على الشخص المسئ ، فإن العفو سوف يسهل عليه وستكون خطواته الأولى في مسيرته الحصول على مكارم الأخلاق ؛ لأن مقابلة السيئة بالحسنة ، هو أقصى ما يصل إليه من صفاء في النفس ينعكس على تصرفاته ومواقفه ، وقد تبلور هذا في وصية الصادق إلى عبد اللّه بن جندب بن جنادة « 4 » حيث قال له :
هامش
( 1 ) سعيد بن بيان أبو حنفية الكوفي سمي سائق الحاج لأنه يسوق الحاج من الكوفة ، حدث عن الإمام الصادق ، توفي سنة 148 ( محسن الأمين ، أعيان الشيعة 7 / 234 ) .
( 2 ) الكاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 2 ، ص 287 .
( 3 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 211
( 4 ) عبد اللّه بن جندب البجلي : عربي ، كان من أصحاب الإمام الصادق والإمام موسى بن جعفر - رضي اله عنهما ( الخوئي ، معجم الرجال ، 10 / 149 ) .