تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
فإذا ما اشتدّ أمر الخصام وجب على كل مسلم أن يسارع إلى الإصلاح بين المتخاصمين بمختلف الوسائل . ومعروف ما لهذا العمل من أهمية وفضل ، وما له من آثار إيجابية في توطيد العلاقات الاجتماعية العامّة . ولذا فقد بذل الصادق أقصى جهده في حث المؤمنين وترغيبهم بإصلاح ذات البين حتى اعتبره أفضل الصّدقة فقال : « صدقة يحبّها اللّه إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا » « 1 » . وفي المقابل ، اعتبر الإمام أن أقبح الأعمال عنده ، هو أن يبادر أحد الطرفين المتنازعين إلى الصلح مع الآخر ، فيمدّ يده إليه فيقبض الآخر عنه يده ولا يستجيب لمبادرته ، فقال في ذلك : « ملعون رجل يبدؤه أخوه بالصلح فلم يصالحه » « 2 » . والتأمل في نصوص الإمام الواردة في إصلاح ذات البين ، يبصّرنا بالدور الرائد الذي أعطاه للمصلحين ، لما له من أثر في سدّ أبواب الفتن وإطفاء نار النزاعات المحرقة ، وقد ربّى الإمام في طلابه روح الإصلاح ووجّههم إلى كيفية التعامل مع المتنازعين في مثل هذه الحالات ، فورد عنه ما نصّه : « الكلام ثلاثة : صدق ، كذب وإصلاح بين الناس ، قيل له : الإصلاح بين الناس ؟ قال : تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه فتقول : سمعت من فلان . قال فيك من الخير : كذا وكذا خلاف ما سمعته منه » « 3 » . ولا شك أنّ الكلام يحتمل وجهين ، فإمّا أن يكون مطابقا للواقع أو مخالفا له ، فالأول يدعى صدقا ، والثاني كذبا ، ولكن بما أن الكلام المخالف للواقع بدوره على قسمين : فإمّا أن يكون موجبا للفساد أو موجبا للإصلاح ، فإنّ الإمام قد فصل بين هذين القسمين وقرّر بأنّ القسم الموجب للإصلاح هو قسم ثالث من أقسام الكلام . والإصلاح ليس بالأمر السهل كما يظنه البعض ، إنما هو عملية صعبة ومعقدة ، تحتاج إلى فطنة ودراية ومزيد من الوعي والإدراك . ولا عجب إذا رأينا الإمام الصادق نفسه في طليعة الساعين إلى إصلاح ذات البين ورأب الصدع بين الناس ، إلا أنه استطاع أن يبتكر أسلوبا مميزا لم يسبقه إليه أحد في علاج الكثير من المشكلات والمواقف الحرجة ، فقد عيّن مبلغا من المال دراهم ودنانير للإصلاح وفصل الخصومة بين أصحابه إذا حصل بينهم خلاف أو نزاع في القضايا المالية ، تأليفا لقلوبهم ، ودفعا لموجبات العداء والتفرقة بينهم .
هامش
( 1 ) الطبرسي ، مشكاة الأنوار ، مرجع سابق ، ص 309 . ( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 71 ، ص 236 . ( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب الكذب ، ح 16 .