ولطالما كان سلوك الإمام مرآة تعكس هذه المثل والإرشادات التربوية الإصلاحية في كل مناسبة . وقد روي أن أبا عبد اللّه إذا مرّ بجماعة يختصمون لا يجوزهم حتى يقول ثلاثا : « اتقوا اللّه اتقوا اللّه ويرفع بها صوته » « 1 » .
ولا يختلف أحد في الانعكاسات السلبية التي تنتج عن النزاعات والخصومات ، ولكن المشكلة تكمن في إيجاد الطرق المناسبة للتخلص من هذه الخلافات ، والوصول إلى تغيير حال الخصومة والنزاع إلى حال الوحدة والاعتصام بحبل اللّه تعالى .
والإمام الصادق كمصلح تربوي يقدّم لنا بعض الطرق الناجعة إلى حلّ هذه المشكلات ويواجه معها باعتماد أسلوبين : الوقاية والعلاج .
وأسلوب الوقاية يتمثل في السعي إلى حل المشكلات قبل حدوثها ؛ أي أن يتم التركيز على زرع الأصول والمبادئ الأخلاقية في نفوس المؤمنين ؛ لأنها كفيلة بتمتين العلاقات السليمة وتحصينها والابتعاد عمّا يثير الحساسيات والعصبيات بين الأفراد .
أما أسلوب العلاج فيتمثل في السعي إلى حل المشكلات بعد حدوثها ؛ أي أن يتم السعي إلى إزالة آثار الحقد والبغض من القلوب ، وتعويد النفوس وتربيتها على ردّات الفعل الصحيحة والسليمة . ومن أبرز هذه الأساليب :
1 - تجنب جذور الخلافات والخصومات :
إن معرفة الأسباب المؤدية إلى النزاع وتجنبها ، تعتبر مدخلا هامّا يوصلنا إلى تقليل فرص حصول مثل هذه النزاعات ، وتدخل في أساس الإجراءات الوقائية عند الإمام الصادق ، لا بل إنها تدخل في صميم منهجه التربوي الذي حذّر بشدة من تباعد المسلمين واختلاف كلمتهم وتشتت شملهم ، وذلك لتحصين هذا المجتمع وصيانته من التفتت والانهيار .
ولأن المجال لا يتسع للإحاطة بكل ما يمكن اعتماده من الأساليب الإصلاحية ، فسنختار منها نماذج من جذور الخلاف التي يعرّفها الإمام ويحذّر الأمّة عنها ، فنذكر بعضها :
- تتبع العثرات والعيوب :
قد لا يسلم إنسان من نقاط ضعف وعيوب في شخصيته وسلوكه وأخلاقه ، إلّا أن الإمام حذّر من التركيز والحديث الدائم عن هذه النقاط وإثارتها ، كما اعتبرها ابتعادا عن اللّه لما لها من أثر في تعميق حالة الكراهية والعداوة ، فقال : « أبعد ما يكون العبد من
هامش
( 1 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 180 ، ح 370 .