في كل الظروف ، ألا وهو الأسلوب غير المباشر ، والذي ركز عليه الإمام ، ولطالما أراد من الدعاة أن يقرنوا العمل بالقول ، حتى يصبحوا قدوة صالحة بأعمالهم قبل أقوالهم ، فلم يزل يكرر هذه الوصية بقوله : « كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع » « 1 » .
وهكذا يتبدى لنا حرص الإمام الشديد على تربية فئة مؤمنة تسعى دوما لإصلاح المجتمع والسير به نحو الأفضل والأرقى وذلك بانتهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأحد السبل الأساسية ، الذي يساعد على الطاعة ويزيد من فرصها ، ويقلّل من فرص المعصية ويمنع من وجودها في المجتمع .
* مواجهة الخلافات والخصومات الاجتماعية :
من أهم المشكلات التي قد تهدّد الجماعات البشرية ، نشوء الخلافات وأسباب الفرقة المؤدية إلى التنازع ، وهو الطريق الحتمي للفشل والوهن ، وينهى اللّه عن التنازع فيما بين المؤمنين فيقول جلّ من قائل :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
« 2 » .
فالتنازع والخلاف والخصومة من أهم أسباب الفساد والانحراف بين أفراد المجتمع . كما أنها تؤدي إلى هدر الطاقات البشرية ، واستنزاف القدرات الخلّاقة في غير أماكنها ، وهدم بنيان الجماعات ، وقلع أسس المودّات والصّداقات .
وقد أدرك الإمام الصادق خطورة هذا الأمر ، فتشدّد فيه وحذّر من عواقبه ، فقال :
« إياك وكثرة الخصومات فإنها تبعدك من اللّه » « 3 » ، كما حذّر من مخاطرها على الأجواء النفسية والاجتماعية بقوله : « إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرّضان القلوب على الإخوان ، وينبت عليهما النفاق . . . ومن زرع العداوة حصد ما بذر » « 4 »
وعلى هذا ، فإن من أبرز مظاهر إصلاح المجتمع المؤدية إلى صحّته وسلامته ، العمل على فض النزاعات وإزالة الخصومات ومعالجة الخلافات ، التي تسمح للفرد أن يعيش في كنف مجتمع ناعم بالسلام والأمن والاستقرار .
والمصلح الاجتماعي الذي يتربّى في مدرسة الصادق لا يتوانى عن استئصال بذور الاختلاف من تربة المجتمع . فهو المسارع دوما نحو تقريب أفراد المجتمع ، فيتحلى أبناؤه بالمحبة والإخاء ، ويشبكون أيديهم متحدين في مواجهة أعدائهم ومؤازرة أصدقائهم .
هامش
( 1 ) أحمد بن محمد البرقي ، المحاسن ، دار الكتب الإسلامية ، إيران ، د . ت ، ص 18 ، ح 50 .
( 2 ) سورة الأنفال : جزء من الآية 46 .
( 3 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 309 .
( 4 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب المراء والخصومة ، ح 1 .