فليس من الحكمة تحميل صاحب الخطوة الأولى مثلا ما يمكن لصاحب الخطوة الثانية أن يحمله ، وذلك ليتم انسجام الدعوة والإصلاح مع عقلية المخاطب ومستوى إيمانه ، وهكذا قام الإمام في مدرسته بتربية الإنسان المسؤول الذي يجعل همّ إصلاح المجتمع وتطويره إلى الأفضل بالتدريج وإن من أهم خطواته العملية في هذا الطريق ما يلي :
المراقبة والنقد الاجتماعي .
مواجهة الخلافات والخصومات الاجتماعية .
* المراقبة والنقد الاجتماعي :
إن المراقبة الاجتماعية هي إحدى الوسائل البالغة الأهمية في عملية إصلاح المجتمع وتغييره واستقرار القيم الأخلاقية فيه ، وقد جعل الدين الإسلامي كلّ مسلم رقيبا على نفسه ، كما جعله رقيبا على غيره ، وذلك ليتسنى له القيام بدور فعّال في بناء المجتمع والسير به نحو الأفضل .
ويتبلور هذا الدور في تطبيق فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد تناولت الحديث عنهما جملة من الآيات القرآنية ، فجعلت منهما صفتين ملازمتين لأفراد الأمة الإسلامية ، وذلك في قوله تعالى :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
« 1 » وبما أن هذه الدعوة أتت على لسان الوحي ، فلا مجال للشك أنّ ممارسة الأمر بالمعروف ومحاولة تغيير المنكر ، من أفضل الطرق العملية المثمرة في صيانة المجتمع وتقويمه . « ولا نجد في النظم التي ابتكرها الإنسان لرعاية القوانين والدساتير وتبصير الناس بها - حتى لا يقعوا في المخالفات المتوالية - نظاما يصل إلى فكرة هذا المبدأ باعتباره مبدأ تربويّا جادا يتيح لأكبر قاعدة في الأمة أن تعرف ما لا بد من معرفته . . . وبطريقة مكررة تضمن التذكر الدائم وتشمل كل البيئات في المجتمع » « 2 » . لذا فإن « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ عظيم يصلح بمفرده دستورا لجميع نواحي الإصلاح » « 3 » .
وها هو الإمام الصادق يهتم بهذه الخطوة الإصلاحية اهتماما بالغا ، ويعتبرها ركنا أساسيّا في صيانة الأمة الإسلامية ، حيث يرى أنها شرط للتديّن ؛ لأن بهما يعبد اللّه ويسود الأمن وتزول أسباب الفتن ، وبهما يمكن تغيير الواقع إلى الصلاح ، فيقول :
هامش
( 1 ) سورة التوبة : جزء من الآية 71 .
( 2 ) أحمد بن محمد بن هارون الخلال ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تحقيق عبد القادر عطا ، دار الأنصار ، القاهرة ، 1974 ، ص 46 .
( 3 ) سعيد إسماعيل علي ، فلسفة التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 111 .