لم ينكث عهدا مع قومه أو مع الفئات التي عاهدها وإن كانوا أعداء له وبالذات كفار مكة ، كانوا هم الذين نقضوا عهودهم فردّ عليهم النبي صلّى اللّه عليه وآله ردا قاطعا ، لم ينقض صلّى اللّه عليه وآله موثقا أبرمه مع أحد قط ، لذلك كان الجميع على ثقة بالعهد الذي يبرمه معهم .
فعلى مدى عشر من السنين عاشره الناس ليلا ونهارا ، ترددوا على داره وتردد هو على دورهم ، كانوا معه في المسجد وفي الطرقات وفي حلّه وترحاله وفي منامه ، تحملوا الجوع معا ، تذوقوا طعم السرور معا ، فقد كان الوسط الذي يعيش فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله مفعما بالمسرة .
وكان صلّى اللّه عليه وآله يمازح الآخرين ويقيم السباقات ويشترك فيها ، وعلى امتداد تلك السنوات العشر تعمقت محبة أولئك الذين عاشروه له وازداد إيمانهم به ، وعندما فتح صلّى اللّه عليه وآله مكة جاء أبو سفيان متخفيا برفقة العباس عم النبي صلّى اللّه عليه وآله يطلب الأمان ، ولما حل الفجر رأى النبي صلّى اللّه عليه وآله يتوضأ وقد أحاط به القوم ليحظى كل منهم بقطرات الماء التي تتناثر من وجهه ويديه ! فقال أبو سفيان : لقد رأيت كسرى وقيصر - وهما من ملوك الدنيا المعروفين بجبروتهم وسطوتهم - لكنني لم أر عليهم مثل هذه العزّة ! أجل ، فالعزّة المعنوية هي العزّة الحقيقية
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
« 1 » ، فالعزّة من نصيب المؤمنين أيضا ، إن هم سلكوا ذات الطريق .
علاقة النبي صلّى اللّه عليه وآله بربّه
ومن ناحية أخرى لم يهمل النبي صلّى اللّه عليه وآله تضرعه إلى اللّه سبحانه وكان مواظبا على توطيد أواصر علاقته بالباري جل وعلا يوما بعد يوم ؛ فلقد كان يرفع يد الضراعة إلى بارئه في تلك الأثناء التي ينظم عساكره ويحثهم ويحضهم على القتال ، وفي ساحة الوغى ، عندما كان يمسك بسيفه ويقود جيشه بحزم ، أو يعلمهم ما يصنعون ؛ يجثو
هامش
( 1 ) سورة المنافقون : 8 .