الأخطر من بين جميع الأعداء ، وهذا العدو معشعش فينا أيضا ، إنه الأهواء النفسية والأنانية والجنوح نحو الانحراف والضلال والانزلاق الذي يصطنعه الإنسان نفسه ، وقد خاض النبي صلّى اللّه عليه وآله مع هذا العدو صراعا مريرا ، غاية الأمر أن آلة الصراع مع هذا العدو لا تتمثل بالسيف ، بل التربية والتزكية والتعليم والتحذير ، فلما عاد المسلمون من الحرب قال لهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر .
فتعجب المسلمون من قوله وسألوه : ما الجهاد الأكبر يا رسول اللّه ؟ ! لقد خضنا غمار هذا الجهاد المرير ، فهل من جهاد أكبر منه ؟ ! قال صلّى اللّه عليه وآله : نعم ، إنه جهاد النفس « 1 » .
فإذا ما صرح القرآن الكريم :
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
« 2 » فذلك لا يعني أنهم منافقون ، بل بعض المنافقين في عداد الذين في قلوبهم مرض ، ولكن ليس كل
( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ )
من المنافقين ، فربما يكون المرء مؤمنا لكنه في قلبه مرض ، فما ذا يعني هذا المرض ؟ إنه يعني ضعف الأخلاق والشخصية ، والشهوانية والجنوح نحو مختلف الأهواء التي إن لم تبادر للحد منها ومقارعتها فإنها ستأتي على الإيمان من الداخل وستؤدي بالتالي إلى خوائك داخليا ، وإذا ما استلب الإيمان منك وخلا باطنك وظل الإيمان ملاصقا لظاهرك إذ ذاك ستدخل ضمن الذين يطلق عليهم اسم « المنافق » ؛ فلو خلت قلوبنا أنا وأنتم من الإيمان وبقي ظاهرنا متلبسا بالإيمان ، وقطعنا أواصر الإيمان وعلائقه ، بيد أن ألسنتنا ظلت تلهج بالتعابير الإيمانية ، فهذا هو النفاق وهو من الخطورة بمكان ؛ والقرآن الكريم يصرح
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
« 3 » ، وذاك هو السوء المبين ، ألا وهو التكذيب بآيات اللّه .
هامش
( 1 ) انظر وسائل الشيعة : 15 / 161 ح 20208 .
( 2 ) سورة المائدة : 52 .
( 3 ) سورة الروم : 10 .