المعاصرة فبإمكاننا القول إنهم كانوا يشكلون طبقة مثقفة ، لذلك كانوا يستهينون بأهل المدينة ويسخرون منهم ، وربما كانوا يتصاغرون حينما يتعرضون للأخطار أو عند الضرورة ، غير أن التفوق كان لهم في الحالات الطبيعية .
أما الميزة الثالثة فهي اتصالهم بالمناطق النائية عن المدينة ، فلم يتقوقعوا في اطار حدود المدينة ؛ إنهم كانوا يمثلون واقعا قائما في المدينة ، فكان على النبي صلّى اللّه عليه وآله وضعهم في الحسبان . .
انحصار زعامة المدينة بالنبي صلّى اللّه عليه وآله
فكان أن أوجد صلّى اللّه عليه وآله ميثاقا عاما جماعيا ، فلدى حلول النبي صلّى اللّه عليه وآله في المدينة اتضح أن قيادة مجتمعها إنما هي منحصرة به صلّى اللّه عليه وآله دون أن يبرم عقدا أو يطلب شيئا من الناس أو يدخل في مباحثات مع أحد ، أي أن عظمته وشخصيته سخرت الجميع أمامه ، لقد تجلت قيادته وعلى الجميع التحرك والمبادرة حول محوريته ، والميثاق الذي سار عليه النبي صلّى اللّه عليه وآله أصبح موضع قبول من لدن الجميع ، فكان شاملا للسلوك الاجتماعي :
المعاملات ، النزاعات ، الدية ، علاقة النبي صلّى اللّه عليه وآله مع معارضيه وموقفه من اليهود ومن غير المسلمين ، وكل ذلك كان مدونا ومفصلا ولعله يحتل صفحتين أو ثلاثا من الحجم الكبير من كتب التواريخ القديمة « 1 » .
موآخاة النبي بين المسلمين
الخطوة الثانية كانت في غاية الأهمية وهي إشاعة روح الأخوة ؛ فلقد كانت الأشرفية والعصبيات الخرافية والأبّهة القبلية وحالة الانفصال بين مختلف الطبقات أبرز الأمراض التي كانت تعاني منها المجتمعات الجاهلية العربية يومذاك ؛ والنبي صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 ) انظر المصنف لابن أبي شيبة : 8 / 419 ، والقرآن وإعجازه العلمي : 17 .