تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس تربوية من السيرة النبوية — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
دارهم وحلّ النبي صلّى اللّه عليه وآله ضيفا عليهم ، فيما رد الأعيان والأشراف والمتنفذين وذوي الأنساب وأمثالهم ؛ أي أنه حدّد موقعه الاجتماعي فاتضح من خلال ذلك عدم تعلق هذا الرجل العظيم بالثروة والنسب القبلي والزعامات القبلية والإنتماء الأسري والعائلي وعدم ارتباطه بالمتحايلين الوقحين ولن يكون كذلك ، فهو صلّى اللّه عليه وآله حدد منذ الوهلة الأولى طبيعة سلوكه الاجتماعي وأيّا من الفئات يساند ولأيّ من الطبقات ينحاز ومن هم الذين سينالون القسط الأوفر من فائدة وجوده . . . فالجميع كانوا ينتفعون من وجود النبي صلّى اللّه عليه وآله وتعاليمه ، بيد أن الأكثر حرمانا كان أكثر انتفاعا منه ، دافعه في ذلك التعويض عن حرمانه .

بناء مسجد المدينة

كانت قبالة دارة أبي أيوب الأنصاري قطعة أرض متروكة فسأل صلّى اللّه عليه وآله عن صاحبها ، فقيل إنها ليتيمين ، فدفع لهما ثمنها واشتراها ثم أمر ببناء مسجد عليها ، فكان بمثابة مركز سياسي عبادي اجتماعي وحكومي ومركز يتجمع فيه الناس ، فكانت الضرورة تقتضي بناء مركز يمثل المحورية ، من هنا فقد باشروا ببناء المسجد ، ولم يطلب صلّى اللّه عليه وآله قطعة أرض من أحد أو يستوهبها ، بل اشتراها بأمواله ، وبالرغم من عدم وجود محام عن هذين اليتيمين فإن النبي صلّى اللّه عليه وآله راعى الدقة في أداء حقوقهما كاملة تامّة كالأب والمدافع عنهما . وعندما باشروا ببناء المسجد كان النبي صلّى اللّه عليه وآله من أوائل المسلمين - أو أولهم - ممن أمسك بالمعول وباشر بحفر أرض المسجد ، ولم يكن عمله رمزيا بل كان عملا حقيقيا بحيث كان العرق يتصبب منه صلّى اللّه عليه وآله ، فكان عمله بالمستوى الذي أثار بعض الذين تنحوا جانبا ، فقالوا : أنجلس والرسول يعمل ؟ ! فلنذهب ونعمل ، فجاؤوا وانهمكوا في العمل حتى شيّدوا المسجد خلال برهة وجيزة ، وبذلك أثبت النبي صلّى اللّه عليه وآله - ذلك القائد العظيم - أنه لا يرى أي حقّ لشخصه ، فإذا ما كان هنالك عمل فلا بدّ أن