وأضاءت مشاعل من العلم والحضارة والثقافة والأخلاق والتقدم والملاحم الخالدة بحيث إنّ البشرية ما برحت تتزود من قبس ذلك النور حتى يومنا هذا . هذا في حقبة كان فيها العالم يرزح تحت ظلمة الجهل المطبق .
تلك تجربة ، كلما ابتعد المسلمون عن مبادئ دينهم ، وتضاءل اهتمامهم برسالة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله وهو نبيّهم ، تشابكت عليهم مسالك الحياة وصعبت ، على مرّ العصور « 1 » .
حقيقة يوم البعثة
إنّ يوم البعثة في حقيقته يوم خفقت فيه راية رسالة راقية فريدة في خصائصها بالنسبة للبشرية ؛ فالبعثة هي التي رفعت في الواقع بيرق العلم والمعرفة حيث انطلقت بنداء
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
« 2 » ، وتواصلت بأمر اللّه تعالى
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
« 3 » ؛ أي إن الدعوة سارت مقترنة بالحكمة .
إنّ الدعوة الإسلامية تمثل في حقيقتها بسط الحكمة ونشرها في ربوع المعمورة وعلى امتداد التاريخ ؛ والبعثة تعني الإمساك براية العدالة ورفعها ، أي استتباب العدالة في أوساط المؤمنين وعباد اللّه وبين أبناء البشرية ، كما أن الرسالة تعني حمل راية الأخلاق الإنسانية السامية « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » « 4 » ؛ والباري يوجه خطابه لنبيّه قائلا :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 5 » ، وهكذا فقد اكتنزت هذه البعثة كل ما يحتاجه البشر على مرّ الأزمنة وفي ظل شتى الظروف وأينما حلّوا من العالم ؛ من علم
هامش
( 1 ) من كلمة ألقاها في 27 رجب 1418 ه
( 2 ) سورة العلق : 1 .
( 3 ) سورة النحل : 125 .
( 4 ) مكارم الأخلاق : 8 ، والبحار : 16 / 210 .
( 5 ) سورة الأنبياء : 107 .