قصة ثانية
ونقل عن بهلول أنه قال : بينما أنا ذات يوم في بعض شوارع البصرة ، وإذا بالصبيان يلعبون بالجوز واللوز وإذا بصبي ينظر إليهم ويبكي فقلت : هذا صبي يتحسر على ما في أيدي الصبيان ولا شيء معه ، فقلت : أي بني ما يبكيك ؟ أأشتري لك ما تلعب به ؟
فرفع بصره إليّ وقال : يا قليل العقل ، ما للعب خلقنا .
فقلت : فلم إذا خلقنا ؟
قال : للعلم والعبادة
فقلت له : من أين لك ذاك بارك اللّه فيك ؟
قال : من قول اللّه تعالى
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] .
فقلت : يا بني أراك حكيما فعظني وأوجز فأنشأ يقول :
أرى الدنيا تجهز بانطلاق * مستمرّة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحي * ولا حي على الدنيا بباق
كأن الموت والحدثان فيها * إلى نفس الفتى فرسا سباق
فيا مغرور بالدنيا رويدا * ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينيه وأشار بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وقال :
يا من إليه المبتهل ، يا من عليه المتكل ، يا من إذا ما آمل يرجوه لم يخطئ الأمل .