فوجدها ، فاللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها » « 1 » .
وقد ورد في الحديث أنّه لما أكل آدم من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته فاستحيى التاج والإكليل « 2 » من وجهه أن يرتفعا عنه ، فجاءه جبرئيل فأخذ التاج من رأسه ، وحلّ الإكليل عن جبينه ، ونودي من فوق العرش اهبطا من جواري ، فإنّه لا يجاورني من عصاني ، قال : فالتفت آدم إلى حوّاء باكيا وقال : هذا أوّل شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب « 3 » .
إنّ هذا لهو مقام عظيم أن يكون بكاؤه على الخروج من جوار الحبيب قبل أن يكون على فراقه الجنّة . وهذه هي الفلسفة الثالثة التي أشرنا إليها للتوبة والندم .
وإن شئت مقاما أعظم من هذا المقام في التوبة فلعلّه هو المستفاد من قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
« 4 » فكأنّ الآية المباركة تشير إلى أنّ توبة المتّقين ليست من صدور الذنب منهم ، بل من الهمّ بالذنب ، فإنّ الشيطان الذي يطوف حول قلب المؤمن يمسّ قلبه كي ينفذ فيه ويورّطه في المعصية ، فيهمّ العبد بالمعصية ، ولكن قبل تماميّة النفوذ والتورط في المعصية يتذكّر المتّقي وإذا هو مبصر يرتدع عنها . وقد وردت روايات عديدة بمضمون تفسير الآية بأنّ العبد يهمّ بالذنب ثمّ يذكر اللّه فيحول الذكر بينه وبين تلك المعصية « 5 » .
والمقام الأكبر في التوبة من هذا المقام هو : توبة المعصومين التي ليست توبة من الذنب ولا من الهمّ بالذنب ، بل من سيّئات المقرّبين التي هي من حسنات
هامش
( 1 ) البحار 6 / 40 .
( 2 ) فسّر في المنجد الإكليل بشبه عصابة تزيّن بالجوهر .
( 3 ) المحجة البيضاء 7 / 94 نقلا عن الإحياء للغزالي .
( 4 ) السورة 7 ، الأعراف ، الآية : 201 .
( 5 ) راجع تفسير البرهان 2 / 56 .