ولكن صاحب هذا الكلام غفل أوّلا عن عدم ضمان لنفي مباغتة الموت قبل التوبة . وثانيا عن أنّ ترك الذنب أهون من التوبة ، ولا يعلم أنّه سيتوفق إلى التوبة لو أذنب ، فإنّ الندم الذي هو أوّل شرائط التوبة لا يتحقّق بسهولة ، فضلا عن باقي شرائطها التي تتلو الندم . وقد ورد عن الصادق عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال :
« ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة . وكم من شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا ، والموت فضح الدنيا ، فلم يترك لذي لبّ فرحا » « 1 » . وثالثا عن أنّ تبدّل السيّئات حسنات لا يعني أنّ المذنب إذن صار أكثر ثوابا من غير المذنب ؛ لانضمام سيّئاته إلى حسناته ؛ وذلك لأنّ الحسنات التي تعطى لتارك الذنوب بسبب تركه للذنوب أو بسبب رحمة الرب لا تقاس بالتي تعطى للتائب ، ومن الباطل عقلا أن يكون التائب من الذنب أفضل من المتحرّز من الذنب .
وأمّا الآية الرابعة وهي قوله تعالى :
. . . إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . . .
فالسبب لاختياري بدء الحديث بذكرها ما فيها من العموم الواضح الدال على غفران جميع الذنوب بلا استثناء ، وبما فيها أشدّ الذنوب ، وهو : الشرك ، أمّا ما تراه من استثناء الشرك في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . .
« 2 » فذلك ناظر إلى المغفرة من دون توبة ، في حين أن قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . . .
ناظر إلى المغفرة على أثر التوبة . والشاهد الداخلي على ذلك من نفس الآية قوله تعالى بعدها مباشرة :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ .
أمّا الأمور التي نريد أن نبحثها في مسألة التوبة فهي :
الأوّل : ضرورة التوبة .
هامش
( 1 ) أصول الكافي 2 / 451 .
( 2 ) السورة 4 ، النساء ، الآية : 48 .