الأبرار .
وممّا يناسب ذكره في المقام أنّ بعضهم يقول « 1 » : إنّ التجرّد للخير دأب الملائكة المقرّبين ، والتجرد للشر دون التلافي سجيّة الشياطين ، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميّين . فالمتجرّد للخير ملك مقرّب عند الملك الديّان ، والمتجرد للشرّ شيطان ، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان ، كما صدر ذلك من أبينا آدم عليه السّلام ، فقد ازدوجت في طينة الإنسان شائبتان ، واصطحبت فيه سجيتان ، وكلّ عبد مصحّح نسبه إمّا إلى الملك ، أو إلى آدم ، أو إلى الشيطان . فالتائب قد أقام البرهان على صحّة نسبه إلى آدم بملازمة حدّ الإنسان ، والمصرّ على الطغيان مسجّل على نفسه بنسب الشيطان . ولقد قلع آدم عليه السّلام سنّ الندم ، وتندّم على ما سبق منه وتقدّم ، فمن اتّخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلّت به القدم . فأمّا تصحيح النسب بالتجرد لمحض الخير إلى الملائكة فخارج عن حيّز الإمكان ، فإنّ الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجنا محكما لا يخلصه إلّا إحدى النارين : نار الندم ، أو نار جهنّم ، فإحراق النار ضروري في تخليص جوهر الإنسان عن خبائث الشيطان . وإليك الآن اختيار أهون الشرّين ، والمبادرة إلى أخفّ النارين قبل أن يطوى بساط الاختيار ، ويساق إلى دار الاضطرار إمّا إلى الجنّة أو إلى النار .
أقول : كلّ ما ذكره هذا القائل صحيح عدا افتراض أنّ المتحّض للخير خارج بالنسبة للإنسان عن حيّز الإمكان ، فإنّ هذه الفكرة ناتجة من مذهبه - بما هو من أهل التسنن - من إنكار العصمة ، أمّا نحن فنؤمن بمبدأ العصمة للمعصومين ، وهم متمحّضون في الخير ، وبإمكان غير المعصومين بالذات أن يتمحّضوا في الخير
هامش
( 1 ) المحجة البيضاء 7 / 3 - 4 نقلا عن الإحياء للغزالي ، ونحن نقلناه هنا مع تغيير يسير في ترتيب العبارة .