المذنب له حقّ دلال على الربّ - تبارك وتعالى - يطالبه بما أوجبه على نفسه من المغفرة والرحمة والتوبة عليه .
ولعلّ السبب في هذا - بعد وضوح سعة رحمته التي ستظهر في يوم القيامة حتّى يطمع إبليس فيها « 1 » - واضح ، وهو : أنّ فرض العقاب على ذنوب العباد لم يكن بهدف التشفّي من العبد تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، بل كان بهدف جعله رادعا للعبد عن الهلاك وسقوطه في وادي الضلال وفي رذائل النفس وقبائح الأعمال ، ومحفّزا له على تزكية نفسه وتنمية الفضائل في ذاته ، وتكميله في سلّم المعنويات بقدر قابليّته ، هذا بالنسبة لغير الخبيث الذي وصل استحقاقه للعقاب ( لولا أن يتوب ) إلى حدّ لا يكون قابلا للعفو عنه ، أمّا بالنسبة لهذا فهناك ملاك آخر للعقاب زائدا على ما مضى لسنا الآن بصدد شرحه . فإذا تاب العبد وأناب إلى ربّه فقد طهّر نفسه ، واستعاد حسن سريرته ، وبدأ يرقى مرقى الكمال ، فقد تحقّق الهدف الذي كان كامنا من وراء فرض العقاب ، فالربّ تعالى يكون - عندئذ - أعلى وأجلّ من أن يعاقبه ، وهو تبارك وتعالى قد فرح - إن صحّ التعبير - بحصول الهدف المنشود ، وهو : هداية العبد . فقد ورد في الحديث عن أبي عبيدة الحذّاء قال : « سمعت أبا جعفر عليه السّلام : ألا إنّ اللّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب من رجل ضلّت راحلته في أرض قفر وعليها طعامه وشرابه ، فبينما هو كذلك لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجّه حتّى وضع رأسه لينام فأتاه آت فقال له : هل لك في راحلتك ، قال : نعم ، قال : هو ذه فاقبضها ، فقام إليها فقبضها ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : واللّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب من ذلك الرجل حين وجد راحلته » « 2 » .
وأمّا الآية الثانية وهي قوله :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا
هامش
( 1 ) راجع البحار 7 / 287 ، الباب 14 من كتاب العدل والميعاد ، الحديث 1 .
( 2 ) البحار 6 / 38 - 39 .