بالتكليف ، فهذا يقتضي التسليم بإرادة حرة هي بدورها مقدورة لله ، وإذا كان لا تناقض بين حتمية الشيء في ظاهره وحرية الشيء في ذاته لدى « كنط » ، كذلك لا تعارض بين القدرة المطلقة لله وبين ما يقتضيه التكليف من التسلح بإرادة للإنسان ؛ ومن ناحية أخرى ، إننا إذا بدأنا في استقصاء رأي المعتزلة في أصل التوحيد ، حيث الله منفرد في ذاته مطلق في صفاته التي هي عين ذاته ، فإننا لا نصل بذلك إلى إمكان قيام إرادة للإنسان إلى جانب إرادة الله وقدرته . أريد أن أنتهي من هذا إلى أن حرية الإرادة لدى المعتزلة ، كما هي لدى كل مذهب أخلاقي تستند إلى منهج عقلي ، مسلمة تقتضيها الأخلاق ومن ثم وجب التسليم بها والمصادرة على قيامها . أما أن المذاهب العقلية في الفلسفة الأخلاقية تصطنع البدء بمسلمات ، فذلك لكي يمكن أن تستنبط منها قواعد الأخلاق ، من حيث أن المسلمات شروط منطقية يوجبها العقل لإمكان تحقيق الواجب « 1 » ولكن ما ذا يعني أن حرية الإرادة مسلمة وهل كانت كذلك لدى المعتزلة ؟
أمّا أنها مسلمة ؛ فذلك يعني أنها افتراض اقتضى التسليم بصحته ما افترض على الإنسان من واجبات ؛ وحرية الإنسان ليست موضوع اعتقاد ، لأن العقائد تتعلق بحقائق الوجود مستقلة عن كل فعل إنساني كالإيمان بوجود الله . أما حرية الإنسان ، فيمكن افتراض عدم وجودها حال كون الإنسان مكلفا أو غير مكلف دون أن ننكر حقيقة من حقائق الوجود ، فليست المسلمات عقائد نظرية وكلها افتراضت اقتضتها ضرورة العمل . والحقيقة أن المعتزلة أصروا على تقرير مبدأ حرية إرادة الإنسان لغاية أخلاقية لا تقوم بدونها .
في الواقع نلاحظ أن المعتزلة قد تعمقوا في دراسة الإرادة من الناحية النفسية ، وهم يهدفون بذلك إلى غايتين :
الأولى : إلى أي مدى تصبج الإرادة حرة .
الثانية : إلى أي حد تكون مسؤولية الإنسان عما يريده .
وعلى أية حال فقد استند المعتزلة إلى علم النفس لتقرير مبدأ الحرية من حيث
هامش
( 1 ) توفيق الطويل ، أسس الفلسفة ، ص 448 .