تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
إنها التزمت الضرورة والكلية فذلك لأن الأحكام الخلقية في فكر المعتزلة أولية غير مستقاه من التجربة إذ لا شيء من المحسنات أو المقبحات إلّا وله أصل ضروري ، وأما إنها لم تسرف في الصورية اللازمة عن الاتجاه العقلي المحض ، فذلك لأنها قدرت خلاف المناسبات والأحوال ، وقد كان الموقف المعتزلي بذلك أقرب إلى رأي أرسطو في الفضيلة ، حين جعل الوسط العدل مرنا يراعى فيه « من ، وأين ، ومتى وكيف ، ولم » « 1 » من رأي كنط المترفع على الخبرة والطبيعة البشرية .

الأخلاق القائمة على حرية الإرادة :

تعتبر حرية الإنسان أحد شقي مشكلة الخير والاختيار ، وتلك المشكلة التي عالجها المتكلمون ، وأغلب الفلاسفة ، على أنها مشكلة ميتافيزيقية ، أو بالأحرى مشكلة تمس صميم الإعتقاد وليست من مشكلات العمل . والمشكلة ميتافيزيقية من وجهة نظر المجبرة من أتباع « جهم » الذين لم يجعلوا في الوجود من قدرة إلى جانب قدرة الله خالق أفعال العباد . والمشكلة ميتافيزيقية كذلك من وجهة نظر خصوم المعتزلة الذين ألزموهم إثبات إرادة تحد من مجال إرادة الله وتعجز قدرته ، من حيث أنهم أثبتوا إرادة مستقلة للإنسان ، والبحث في المشكلة على هذا النحو من صميم موضوعات الميتافيزيقا البحتة طالما أنها تتعلق بالوجود ككل ، بصرف النظر عن مجالات العمل من أخلاق وسياسية وقانون . والمشكلة الميتافيزيقية من وجه نظر الوجوديين من المحدثين الذين انغمسوا بدراسة الوجود الإنساني ككل ، فلم يجدوا ثمة فرقا بين وجود الإنسان وبين كونه حرا ، ولم يقصروا البحث على مجرد الفعل الإنساني الإرادي الذي تضفي عليه الأخلاق صفتي الخير والشر . هذه تفرقة لا بد منها بين مجال الميتافيزيقا وبين مجالات أخرى ، كالأخلاق والقانون ، وذلك أن فلاسفة كثيرين أنكروا الحرية في المجال الميتافيزيقي ولكنهم دافعوا عنها في مجال العمل ، من أمثال فولتير ، وجون سيتوارت مل ، كذلك أنكرها
هامش
( 1 ) يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة اليونانية ص 190 .