والظاهر أن التفريق هنا بين ما يعرفون كيفيته وما لا يعرفون هو التفريق بين ما يحدث بإرادة منهم وما يحدث من غير دخل لهذه الإرادة في حدوثه ، بهذا يبدو تفريقا منطقيا من الوجهة الأخلاقية أو الحقوقية ، فقد نرى بأن الخياط حاول تعليل مسألة التولد نقلا عن أبي الهذيل ، إذ أن ابن الراوندي إتهم العلاف ومن معه من أصحاب التولد ، بأنهم يقولون بأن الموتى يقتلون الأحياء الأصحاء حقيقة لا مجازا ، وأن المعدومين يقتلون الموجودين ويخرجون أرواحهم من أجسامهم على التحقيق » « 1 » فأنكر الخياط هذا إنكارا باتا ، وذكر بأن الأحياء القادرين على الأفعال في حال حياتهم وصحتهم تتولد عنهم بعد موتهم أفعال فتنتسب إليهم هذه الأفعال ولا تنتسب لغيرهم ، طالما كانت تسير على السياق ، أو على السنة التي أوردوها وفعلت ما قصدوه من نتائج .
من هذا الكلام نصل إلى أن المشكلة الأخلاقية في الفعل المتولد هي : هل يمكن أن يعد فعلا للإنسان يسأله عنه كالأفعال الإرادية المباشرة ؟ فإن كان مسؤولا عنه فكيف ذلك ولا يتسنى له تركه ؟ وإن كان ليس فعلا للإنسان فكيف وقد وقع بسببه .
فالمشكلة في الفعل المتولد جانبان : جانب علاقة السبب بالمسبب ، أو بالأحرى قانون العلية ، وهي عند المعتزلة علاقة ضرورة ، وجانب انتفاء وجه من الإرادة فيه من حيث أنه يستحيل عن الإنسان أن يترك المسبب بعد فعل السبب .
أما جانب الضرورة في العلية فلا سبيل إلى إنكاره لدى المعتزلة ، وإلا لجاز أن يطلق الرامي السهم فلا يطلق ، بل لجاز أن يعتمد أقوى الخلق بأحد السيوف على قفاه فلا يحدث الله قطعها فلا تتقطع ، وجاز أن يجمع بين النار والمنكار فلا يحدث الله إحراقها فلا تحترق » « 2 » ولجاز أن يتحرك الجبل باعتماد الضعيف ، وعدم تحرك الخردلة باعتماد القوي المتين ، فإذا لم يجز ذلك كله فإن الأسباب موجبة لمسبباتها » « 3 » هكذا يقرر المعتزلة في قوة مبدأ العلية ، حيث يرون انهيار قوانين الطبيعة في التشكك في . . .
هامش
( 1 ) الخياط ، الإنتصار ، ص 76 .
( 2 ) نفس المصدر ، ص 61 .
( 3 ) أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ص 88 .