ولكن ما المقياس في ذلك ؟ أي أن الأشاعرة أنفسهم قد اعترفوا في هذا الإستدلال نفسه بوجود موضوعي للحسن والقبح النسبييين في الأشياء ، ولم يبرهنوا على نفي إدراك العقل لهذا الوجود النسبي لكل من الحس والقبح . وبذلك لم يستطيعوا إلغاء موضوعة المعتزلة من أساسها ، لأن مسألة العقل هي الأساس في تلك الموضوعة ، مضافا إلى أن المعتزلة أنفسهم لم يقولوا بالصيغة المطلقة للحسن والقبح في الأشياء ، بل يمكن أن نفهم من موضوعتهم أن القتل قصاصا ، مثلا ، حسن في ذاته ، وأن القتل ظلما ، قبح في ذاته ، وإن الصدق النافع حسن في ذاته ، وأن الصدق الضار قبيح في ذاته . . أي أن موضوع الحسن أو القبح عندهم ليس هو القتل والصدق والكذب بقول مطلق ، بل هو القتل العادل أو العقل الجائر ثم إن هناك الظلم مثلا ، فأية نسبية يمكن تصورها في الحكم بقبحه ، وكذلك العدل ، فالظلم ظلم ولا يتغير بتغير الناس والأحوال والأزمان . وإن دليل الأشاعرة لا يشمل مثل هذا النوع من الأفعال التي يدرك العقل حسنها أو قبحها في ذاتها .
تقول بعض الآراء : بأن بعض الأشاعرة يرون أن قبح الأشياء وحسنها ينشئان من شرائع سابقة أو من عادات الناس . إذ يقول الشهرستاني :
« لو قدرنا إنسانا قد خلق تام الفطرة كامل العقل دفعة واحدة من غير أن يتخلق بأخلاق قومه ولا تأدب بآداب الوالدين ، ولا تزيا بزي الشرع ولا تعلم من معلم ، ثم عرض عليه أمران أحدهما إن الاثنين أكثر من الواحد والثاني أن الكذب قبيح - بمعنى أن يستحق من الله لوما عليه - لم يشك أنه لا يتوقف في الأول ويتوقف في الثاني .
ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقل وعاند عناد الفضول » « 1 » . وكيف يعلم قبح الظلم بداهة ، والخوارج يستحسنون قتل من خالفهم وأخذ أموالهم ، كما تستحسن طائفة من أهل الهند قتل أنفسهم .
هذه فلسفة عقلية التزمت فكر الضرورة والكلية في الأحكام الخلقية ومع ذلك لم تسرف في الصورية الخالصة من كل مادة ، إسراف « كنط » في أمره المطلق ، ومن ثم لم تبعد عن الواقع الميتافيزيقي وإن كان في أحد جوانبها لها صلة بالحياة ، أما
هامش
( 1 ) الشهرستاني ، نهاية الأقدام ص 371 .