كنط في مجال النظر ، ولكنه جعلها مسلمة ضرورية في نطاق العقل العملي والأخلاق ، ولم يجد هؤلاء في موقفهم هذا تناقضا ، نظرا لاختلاف طبيعية مجال الميتافيزيقيا أو الإلهيات عن مجال العمل أو الأخلاقيات .
أين يقف المعتزلة بين القائلين بالحرية ؟
هل يماثل رأيهم رأي الوجوديين الذين يعقلون الوجود الإنساني كله على حريته ، أم يماثل رأي مشابه لموقف « كنط » الذي يسلّم بالحتمية في مجال التجربة ثم يصادر الحرية في الأخلاق ؟
أجمعت المعتزلة بالاتفاق مع أصل الإسلام ، على أنه ليس لمقدورات الله غاية ولا نهاية » « 1 » وأنه قادر في الحقيقة ، وإن ذلك يعني نفي العجز عنه على أي وجه من الوجود ، تلك الفكرة تؤدي إلى المغزى الميتافيزيقي لتفكير المعتزلة ، من حيث أنهم يرفعون فكرة العدل والفعل الخير إلى عناية إلهية . وهذا ما يتصل بقول المعتزلة بقدرة إرادة الله . ولكنهم إذ ينتقلون إلى إثبات إرادة الإنسان ، فإننا نراهم مستندين إلى أساسين :
1 - قدرة الإنسان متعلقة بما يفترض عليه من عمل ، وذلك موضوع الأخلاق .
2 - يمكن تعليل الأساس الثاني عند المعتزلة في كون الإنسان فاعلا للخير والشر والطاعة والخطيئة ومسؤولا عنهما في حياته الواقعية .
عبر هذا الكلام نجد أن المعتزلة قد ذهبوا إلى مطلق المشيئة الإلهية في أصل التوحيد وإلى تقرير حرية الإنسان في أصل العدل لضرورة يقتضيها التكليف وتحتمها الواجبات الأخلاقية .
حرية الإرادة الإنسانية ضرورية لدواع أخلاقية :
يقول المعتزلة : لسنا أحرارا فيما لا تعلق للتكليف به ، كبدء وجودنا أو نهايتنا أو صلة حواسنا بالمدركات وما نجده من طعوم وروائح ومسموعات ، بل كل ما في العالم من موجودات بفعل خلقة الله للأشياء وما طبعها عليه ، ولكن فيما يتعلق . . .
هامش
( 1 ) أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ص 216 .