تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
في كتابه « ضحى الإسلام » نرى أحمد أمين يستنتج المدلول الحقيقي لرأي المعتزلة في هذه المسألة إذ يقول : « لقد قال المعتزلة بسلطان العقل في معرفة الخير والشر ، فليس الخير يفرض من الله فرضا على الأشياء ، ولا الشر كذلك » « 1 » . أما إذا قارنا رأي المعتزلة برأي الأشاعرة في هذه المسألة ، نرى أبو الحسن الأشعري ، يقول : « العقل لا يوجب شيئا ولا يقتضى تحسينا ولا تقييما ، فمعرفة الله بالعقل تحصل ، وبالسمع تجب » « 2 » يمكن تلخص رأي الأشاعرة ، في أن لا شيء حسن في ذاته وقبيح في ذاته ، وإنما الحسن هو ما جعله الشرع حسنا بالثناء على فاعله ، والقبح ما جعله الشرع قبيحا بذم فاعله ، في حين أن الشرع لا يمدح ويذم ويأمر وينهي لما في الشيء من حسن أو قبح في ذاته ، ولذلك ليس للعقل مجال أن يحكم بأن هذا الشيء حسن وأن ذاك الشيء قبيح . وما استدل به الأشاعرة على هذا الرأي قولهم أن الحسن والقبح لو كانا في الشيء بذاته ، لكان الحسن فيه حسنا دائما ، وكذلك القبح ، دون أن يحتاج وجود إحدى هاتين الصفتين فيه إلى شروط في حين أننا نرى في صفة الحسن والقبح ليست مطلقة ، بل نسبية ، فقد يكون الشيء الواحد حسنا في مواضع وقبيحا في مواضع ، فالقتل مثلا يكون قبيحا إذا لم يكن المقتول قد جنى ذنبا يستوجب القتل ، ويكون حسنا إذا كان قصاصا لذنب جناه فلو كان الحسن أو القبح في ذات الشيء موضوعيا لم يتبدل حسب الأحوال ، وكذلك قد يكون الشيء الواحد نفسه حسنا في زمان وغير حسن في زمان آخر . إن الشرائع تشرع أشياء لقوم وتشرع أشياء غيرها لقوم آخرين ، فلو كان هناك حسن وقبح في ذات الشيء موضوعيا لم تتغير الشرائع بتغير الزمان والمكان والناس « 3 » إن هذا الإستدلال للأشاعرة الذي قام به أحمد أمين نراه صحيحا من جانب ، ومتهافت من جانب آخر ، أي فهو صحيح من حيث كون الحسن والقبح أمرين نسبيين ، ولكن أنستطيع الحكم ، قبل ورود الشرع ، بأن القتل في هذه الحالة حسن وفي تلك قبيح ، وكيف نحكم بأن الصدق النافع حسن وأن الصدق الضار قبيح وهكذا ! . . .
هامش
( 1 ) أحمد أمين ضحى الإسلام ، ص 48 . ( 2 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص 93 . ( 3 ) أحمد أمين ، ضحى ، ص 49 .