« . . فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل ، والإعراض عن القبح كالكذب والجور » « 1 » .
نرى هذه المسألة عند المعتزلة على أساس الترابط بينها وبين أجزاء نظرية العدل ، خاصة الجزء الأساسي في النظرية ، وهو حرية اختيار الإنسان ، فهذا الجزء الذي يجعل من النظرية بكاملها جسرا واصلا بين مفهوم العدل الإلهي والمسؤولية العملية للإنسان ، لا في المجال الخلقي فحسب ، وكذلك في المجال الاجتماعي . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، نرى إقامة المسألة على أسس عقلانية .
لقد برهن المعتزلة على قولهم بالحسن والقبح بأكثر من دليل . فالدليل الأول قائم على المنهجية التاريخية ، فهم أي أنصار الدليل الأول ، يؤكدون بأن الناس قبل ورود الشرائع كانت تحتكم إلى العقل وتجادل بالعقل ، ويلزم أحد الفريقين خصمه بما يقضي به العقل ، وما كان ذلك إلا بالرجوع إلى ما يراه العقل بذاته في الأشياء من حسن وقبح قائمين بذاتيهما . مثال ذلك : إن العقلاء كانوا - قبل الشرائع - يستحسنون إنقاذ الغرقى وتخليص الهلكى ، ويستقبحون الظلم والعدوان » .
والدليل الثاني : قائم على منهجية الإلزام المنطقي . إذ يقولون أن الرسل يطلبون في دعوتهم إلى الناس أن ينظروا في أشياء الكون بعقولهم ، فلو لم تكن الأشياء حسنة أو قبيحة في ذاتها يدركها العقل من نفسه من غير توقف على الشرع ، لقال الناس للرسل : لا يجب علينا النظر في معجزاتكم ونبوتكم إلا بالشرع ، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في نبوتكم ومعجزاتكم . . فيقف الرسل أمام هذا القول مفحمين وتبطل دعوتهم ، هذا غير صحيح ، كما يريد المعتزلة أن يقولوا . فيثبت بهذه المعادلة المنطقية إذن كون الأشياء حسنة وقبيحة في ذاتها يدركها العقل قبل ورود الشرع .
والدليل الثالث : لو لم يكن في الأفعال حسن وقبح ، وكان حسنها وقبحها مكتسبين اكتسابا من الشرع ، لما أمكن الفقهاء أن يعملوا عقولهم في المسائل التي لم يرد فيها نص شرعي ، ولاستحال تعليل الأحكام ولبطل السؤال ب « لم » والجواب عنه ب « لأنه » ، لأن التعليل كله مبني على ما في الأشياء والأفعال من صفات قائمة في ذاتها .
هامش
( 1 ) المرجع نفسه ص 52 .