من ناحية أخرى » « 1 » .
في الحقيقة إن الاتجاه العقلي يجعل الخير والشر من طبيعة الأفعال ذاتها حتى تتصف القيم الخلقية بالضرورية والكلية ، ومهمة العقل البشري وفي قدرته الكشف عن هذه الحقيقة الموضوعية .
إن المعتزلة قد اصطنعوا الاتجاه العقلي ، اتساقا مع نسقهم العام في التفكير ، وفي وصف الأفعال استبدلوا بالخير والشر لفظي الحسن والقبح ، وهما صفتان أدق في التعبير عن الأخلاقية ، حسب وجهة النظر المعتزلية .
فأبو الهذيل العلّاف ، شيخ المعتزلة ، أكد على أن « من الواجب على الإنسان المكلف أن يعلم حسن الحسن وقبح القبح ، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والابتعاد عن القبيح كالكذب » « 2 » . وكذلك النظام بقوله : « تحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعاله » « 3 » . وكذلك قول الجبائي وابنه أبو هاشم عبد السلام من أن « معرفة الحسن والقبح واجبات عقلية » « 4 » .
عبر هذا الكلام حول هذه المسألة - تبدو لنا ذات جانب ميتافيزيقي المضمون والهدف من حيث كونها تقصد المعرفة التي يوجبها العقل معرفة الله ومباءئ الشرائع الإلهية . ولكن الجانب الآخر من هذه المسألة - ذو وجهين عقلانيين ، الأول قدرة العقل على المعرفة ، والثاني وجود الحسن والقبح في الأشياء بصورة موضوعية . إن هذه المسألة تختلف عند جهم بن صفوان عنها عند المعتزلة ، والاختلاف هنا في أسلوب التفكير ، ففي حين كان جهم منافضا لمنهجه الجبري ، إذ قال بمسألة الحسن والقبح العقليين ، كان المعتزلة منسجمين كل الانسجام مع منهجه الفكري المتماسك حين أخذوا بهذه المسألة وبنوها على مسألة حرية الاختيار عند الإنسان والتي تقوم من حيث الأساس على ملكة العقل في الإنسان .
وهذا ما يكاد يصرح به تصريحا قول أبي الهذيل في النص التالي :
هامش
( 1 ) توفيق الطويل ، أسس الفلسفة ص 436 .
( 2 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص 52 .
( 3 ) المرجع نفسه ص 79 .
( 4 ) المرجع نفسه ص 74 .