ولكن الإيمان بهذا العمل هو أيضا فعل الإنسان . وإيمانه في هذا الفعل لا بد وأن يعطي ثمارا حقيقية في تكوين الحضارة الإنسانية .
على أن وجهة النظر الأخلاقية هي التي تكشف عن الفرق الشاسع في التفكير بين كل من الحسن البصري وواصل بن عطاء ، أو بعبارة أوضح بين جمهور أهل السنة وبين المعتزلة . في الحقيقة التاريخية ، تؤكد بأن « واصل ذهب إلى أن الإيمان خصال خير ، إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا » « 1 » .
ومن ثم فإن من افتقد خصال الخير فقد فقد الإيمان أي العمل بالخير . وإذا كان الإيمان يقتضي العمل الصالح فهل تجب جميع الأعمال الصالحة وهل يلزمه ترك القبائح كلها كي يكون مؤمنا ؟ فقد ذهب النظام إلى وجوب ترك الأعمال الشريرة فهذا ألزم ما يقتضيه الإيمان ، فهو عنده اجتناب الكبائر « 2 » ولا حجة في إلزامات البغدادي على النظام ألا تكون الأقوال والأفعال إيمانا ومن ثم لا تكون الصلاة إيمانا « 3 » .
لأن النظام يقول : إن الفعل والترك كلاهما طاعة فيلزم أن تكون الصلاة طاعة لأنها فعل وثم فهي إيمان ، غاية ما يلزم عن قول النظام أن من لم تنهه صلاته عن الفاحشة لا يسمى مؤمنا لأن الإيمان يقتضي الترك أولا . وهذا هو الزيف الحقيقي للفعل الإنساني الواقعي . وهذا الموقف الإيديولوجي يظهر في نصوص القرآن ،
« وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً »
« 4 »
« لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
« 5 » . والمعتزلة يتمسكون بهذا الموقف الإيديولوجي معتمدين على النصوص القرآنية التي تؤكد اقتران العمل الصالح بالإيمان ، مثلا
« وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً »
« 6 » .
فقد أوضح الباحث أحمد محمود صبحي موقف المعتزلة ، هذا الموقف الأيديولوجي ، حيث قال : « إن فاعل الكبيرة يرتبط بفهمه للإيمان ، وهذا بدوره يصدر
هامش
( 1 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ج 1 ص 55 .
( 2 ) أبو الحسن الأشعري : مقالات الاسلامين ج 1 ص 304 .
( 3 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 88 .
( 4 ) سورة المدثر : آية 31
( 5 ) سورة الفتح آية 4 .
( 6 ) سورة فصلت : آية 33