تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
إن العدل الذي يشترطونه في الإمام يتضمن الأخذ برأيهم في التوحيد وفي القدر ، فإذا عرفنا أن رأيهم في القدر لا ينفصل عن القول بحرية الإنسان ، أي رفض الحتمية القدرية التي تسلب الإنسان اختياره في ما يفعل ، وفي الحقيقة إن مفهوم العدل الدنيوي لا ينفصل عن قضية حرية الإنسان ، ومن هذه النقطة يمكن لنا اكتشاف العلاقة ، في تفكيرهم بين المفهوم الميتافيزيقي للعدل ، وبين مفهومه الواقعي العملي المتجسد في الإمام العادل ، أي في السلطة السياسية ؛ بهذا التحليل يمكن القول بأن العقلانية المعتزلية لم تكن عقلانية ميتافيزيقية ، كما عند كنط فيما أسلفنا ، بل نستطيع أن نكتشف لها جانبا واقعيا عمليا يتصل بحياة الناس الواقعية . والعدل من أصول المعتزلة الخمسة - ولعله عندهم أهم أصولهم من حيث تسميتهم أنفسهم - الفرقة العدلية ؛ ومن حيث أنهم يقدمونه أحيانا على التوحيد - أول أصولهم - فيتسمون بأهل العدل والتوحيد . فلقد أشار « جولدتسيهر » إلى الدلالة الأخلاقية لأصل العدل بقوله : « وكانت وجهة النظر التي غلبت عليهم وقادتهم في فلسفتهم الخاصة بالدين ، هي تنقية فكرة التوحيد من كل لبس وإظلام وتشويه في الإعتقاد الشعبي المأثور ، وهذا على الأخص في ناحيتين : الأخلاق وما بعد الطبيعية ؛ لقد رأوا واجبا أن يبعدوا عن الله كل الأفهام أو التصورات التي تنافى في الإعتقاد بعدله ، وأن يطهروا فكرة الله من كل الأفهام التي قد تفسد بطبيعتها وحدته وتفرده . . وفضلا عن ذلك فهم يتمسكون في ثبات وقوة بفكرة الله . . المعني بالعالم » « 1 » . وإذا انتقلنا إلى المعتزلة أنفسهم لنتبين مفهوم العدل لديهم ، فإن المعنى الأخلاقي يتضح من خلال رؤيتهم الميتافيزيقية . ينقل عنهم الشهرستاني تعريفهم للعدل بقوله : « ما يقتضيه العقل من الحكمة ، وهو إصدار العقل على وجه الصواب والمصلحة » « 2 » . وتتضح النزعة الأخلاقية في هذا الفهم للعدل مقارنة بمفهوم العدل لدى الأشاعرة :
هامش
( 1 ) جولد تسهير ، العقيد والشريعة ، ص 92 . ( 2 ) الشهرستاني ، والمل والنحل ، ص 52 .
البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 88 | محمد الجبر