المعتزلة في الفكر العربي في العصر الوسيط
الدين كنمطية أخلاقية اجتماعية :
أريد أن أنتهي من هذا إلى أن فرقة اسلامية تثبت الأخلاق ميتافيزيقا ، ليس ذلك على النسق الكنطي ، من حيث أنهم لا يصادرون على العدل الإلهي أو الوعد والوعيد ، وإنما يستدلون على ذلك ببرهان نظري ، لأن موضوعات الميتافيزيقا عندهم ليست خارجه عن إطار النظر العقلي .
ومن ناحية أخرى ، فإن استقلال وجود اللّه أو خلود النفس عن قيم الأخلاق يدع المجال لرأي فرقة الأشاعرة ، فهم لا يرون سريان القوانين الأخلاقية على أوامر الله من حيث إن الحسن عندهم ما حسنه الشرع ، وهذا ما أريد أن تشرحه مشكلة الفلسفة الأخلاقية ويحتويها سؤال هو : ما ذا ينبغي أن يكون عليه الإنسان من حيث هو إنسان ؟ ذلك ما تحاول نظريات الأخلاق الرد عليه ، ويضع المعتزلة السؤال في صيغة مشابهة ، إذ تدور آراؤهم حول : ما ذا يجب على الإنسان العاقل من حيث هو مكلف ؟
ووصف الإنسان بالعقل يحدد منهجهم ، والنظر إليه باعتباره مكلفا ، يوضح موضوع درساتهم ، وهم لا يقصدون بالتكليف الشرعيات فحسب بل الإنسان مكلف بالعقليات . أي الاعتماد على النظر العقلي . ذلك لأن كل ما هو معقول ، يتوصل إليه بالنظر والإستدلال ، فهو من الأصول ، وكل ما هو مظنون يتوصل إليه بالقياس والإجتهاد ، فهو من الفروع » « 1 » .
هناك حقيقة موضوعية لا بد من طرحها ، وهذه الموضوعية تقول بأن الدين ، بمختلف أشكاله وعقائده وتعاليمه ، في مختلف الأزمنة ، في الواقع ، لا يأتي البشر مفاجأة وبصورة مستقلة عن حياتهم الأرضية ولا عن حركة تطورهم التاريخي الزمني اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ، وأن الدين لا يأتي الناس كذلك وفقا لرغبات ذاتية على نحو ما أشار هيجل في محاضراته عن تاريخ الفلسفة أثناء حديثه على العلاقة بين . . .
هامش
( 1 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، تحقيق سيد كيلاني ج 1 ، ص 42 .