الدين والفلسفة ، ردا على القائلين بأن الدين شيء ناشيء عن الاستبداد والغضب ، أو عن رغبة من الكهان أنفسهم في خداع الشعب لخدمة أهدافهم الأنانية والحقيقة :
« إن معارضة هيغل لمثل هذا الرأي في نشأة الدين هي معارضة صحيحة » « 1 » ، لأنه بالفعل لا يمكن القول بأن الدين ينشأ عن رغبة ذاتية لهذا الفريق من الناس أو ذاك سواء كانوا كهان أو غير كهان . بل الواقع أن للدين جذوره الاجتماعية الخاصة ، كما أن له جذوره المعرفية لما هو واقع فعلا في تاريخ الفكر الإنساني وتاريخ الدين ، من وجود الصلات المتبادلة بين الإيمان الديني والمعرفة البشرية .
الأساس الواقعي للفكر المعتزلي :
إن نشأة الفكر المعتزلي في الواقع ، إنما هو متصل بالجذور والأصول التي سبقها من حركات فكرية لها هي كذلك جذورها في الواقع الموضوعي من حركة تطور المجتمع العربي الإسلامي في عصر زاخر بالصراع الذي كان سياسيا ، وإن كانت صيغته الظاهرة دينية وفكرية . وفي الحقيقة هناك باحثون يرون بأن اسم المعتزلة يرقى « إلى ما قبل انفصال واصل بن عطاء عن الحسن البصري ، وإن أصل المعتزلة أصل سياسي ، فقد نشأت في نفس الجو الذي نشأت فيه الشيعة والخوارج ، وإن في تولي علي بن أبي طالب الخلافة نقطة الانطلاق لأهم التيارات السياسية والفكرية في الإسلام . إن لم نقل لجميعها » « 2 » .
وفي كتاب « الملل والنحل » للشهرستاني يقدم لنا حقيقة في معرض سرده للقواعد الأربع التي يدور عليها « اعتزال » واصل بن عطاء : « القاعدة الثالثة ، القول بالمنزلة بين المنزلتين . والسبب فيه أنه دخل واصل على الحسن البصري ، فقال : يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم يخرج به عن الملة ، وهم « وعيدين الخوارج » « 3 » .
هامش
( 1 ) حسين مروة النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية ص 303 .
( 2 ) خلليل الجر وحنا الفاخوري تاريخ الفلسفة العربية ، ص 141 .
( 3 ) الشهرستاني الملل والنحل ، ص 105 .