تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
هذه الثنائية - كتب برغسون - نفسها تغيب في الوحدة ، لأن ضغط المجتمع و « المحبة » ما هما إلا مظهران متتامان للحياة التي تنصرف إلى صون الشكل الاجتماعي جملة وهو الصفة المميزة لنوع الإنسان منذ البدء ، ولكنها تستطيع استثناء أن تبدل وجه النوع ، على يد أفراد يمثل كل منهم جهدا في التطور مبدعا ، حتى لكأنه ظهور نوع جديد » ( 1 ) . من هنا نعرف بأن الدفعة الحيوية هي التي تصنع المجتمعات ، وبذلك تخلق القديسين والإيطال الذين يمثلون الأخلاق الحركية . يشير كرم إلى ذلك بقوله : « أي إن نوعي الأخلاق مظهران طبيعيان للتطور الحيوي ، ومرحلتان في تقدمه » . « 2 » برأينا أن هاتين المرحلتين ، الأولى أبدعت المجتمعات المغلقة ، والثانية ابدعت كبار المتصوفين وعلماء اللاهوت ؛ لكن كما هو ملحوظ ليس ثمة تجانس بين هاتين المرحلتين . لأن الدفعة الحيوية دائما تخلق أو تبدع ابداعا جديدا لا تستطيع التنبؤ بنتيجتها ، فالأبطال الذي يتحدث عنهم برغسون والذي يمثلون الأخلاق المفتوحة هم يرفضون المجتمعات المغلقة والذي يؤيدهم ويخضعوا لهم فهؤلاء الأبطال يساعدهم بأن يسيروا باتجاه الدفعة الحيوية - يشير برغسون بهذا الموضوع إلى ذلك : « فظهور كل نفس من هذه النفوس كان خلقا لنوع جديد ، مؤلف من فرد واحد ، والدفعة حققت في فرد معين ، من حين إلى حين ، نتيجة ما كان لها أن تتم لمجموع الإنسانية دفعة واحدة . وكل نفس من هذه النفوس تسجل مرحلة من المراحل التي بلغتها الحياة في تطورها ، وتجلت ، في صورة أصلية ، عن حب جوهر الجهد المبدع » « 3 » . ونستطيع هنا أن نطلق حكما بأن الدفعة الحيوية تعتبر عند برغسون مصدر الأخلاق المتحركة ، لأن استمرار الدفعة الحيوية في علمها ، تجعل من العبقري ، نوعا جديدا بأكمله . فالعباقرة هم أنواع جديدة تخلقها الطبيعة بدفعة حيوية لا يمكن التنبؤ بها ، وبالتالي هم قرب البشر جميعا إلى مصدر الحياة ويبنبوع الحدة . يقول برغسون : « ويبدو أن قادة الإنسانية العظام الذين قهروا حدد المدنية وتجاوزوا حواجزها قد دخلوا من جديد في مجرى الدفعة الحيوية » « 4 » .
هامش
( 2 ) يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة الحديثة ، 447 . ( 3 ) برغسون ، منبعا الأخلاق والدين ، ص 104 . ( 4 ) نفس المصدر ، ص 65 .