والدليل على ذلك يقول برغسون : « ولسنا نرتاب في أن الانفعال الجديد هو المنبع الذي تصدر عنه عظائم مبدعات الفن والعلم والحضارة ، لا باعتباره حافزا يهيب بالعقل أن يعمل ، ويهيب بالإرادة إن تدأب فحسب ، فالأمر أبعد من هذا ، فهناك انفعالات خلاقة للفكر ، والإبتكار ، وإن كان عقليا ، فإن الانفعال جوهره الكاوي في أعماقه » « 1 » .
نلاحظ بأن الانفعال العائق للعقل الذي اعتبره برغسون هو سابقا في وجوده ليس فقط على الأفكار الأخلاقية بل على الأفكار والتصورات أيضا ، إضافة إلى ذلك ، نرى بأن الانفعال القوي عند برغسون الذي يتمثل عند أبطال الإنسانية هو في الحقيقة مختلف عن الانفعال الذي يعيشه الآخرون - وهذا الانفعال يمتلك القدرة على توليد أفكار أصلية تعبر فقط عن شخصية العبقري أو البطل ، وكما ذكر برغسون بأنه مصدر الإبداع في ميادين مختلفة . والإبداع في النهاية يرجع إلى عاطفة . وبشكل خاص يكون هذا الانفعال قوي عند المتصوف المسيحي عندما يرتبط بالدفعة الحيوية ، فعند ذلك يصبح الانفعال معرفة للمطلق .
أشار برغسون هنا إلى هذا الاتصال المتحد :
« من هذا الاتصال بالمبدأ المولد للنوع الإنساني ، يشعرون أنهم يستقون القوة التي بها يحبون الإنسانية ، وإنما أعني بالحب ذلك الحب الذي يستغرق النفس كلها ويثبت فيها الحرارة » « 2 » .
بعد هذا العرض على ما يبدو لنا بأن برغسون لم يعطي تفسيرا مقنعا لفكرة الانفعال القوي ونتائجه على صعيد الأفكار الأخلاقية والعلمية . لأننا لا نستطيع أن نستدل من هذا الانفعال على أي أفكار أخلاقية أو أحكام عقلية ، أو تصورات .
كذلك لا نستطيع أن نفهم عملية توليد التصورات العقلية عن انفعال خالص لا تمت للعقل بصلة والعلم والحضارة . وكذلك شبه هذا الانفعال بحالات انفعالية محضة - الحب - الحماسة - الغبطة - الحزن ، في الواقع أن هذه الانفعالات ليس لها أي مدلول عقلي مطلقا .
هامش
( 1 ) - نفس المصدر ص 50 .
( 2 ) - نفس المصدر ص 62 .