الواجب يرتبط دائما بالمواقع الحياتية ، بتفضيل قيم معينة للحياة . وهو يفترض للاختيار الواعي للإنسان ، لهذه المنظومة العقائدية أو تلك ، لهذه الجملة أو تلك من القواعد . ومن هذه الناحية ، فإن الواجب يرتبط ارتباطا وثيقا بالمثل وبتجسده في ذلك « المغزى للحياة » الذي يسعى الفرد لتحقيقه واقعيا . ولهذا ، فإن الإنسان يتحمل المسؤولية عن اختيار تلك المبادئ والقواعد والقيم التي يعتبر تنفيذها واجبه الداخلي .
والحقيقة ما للإنسان « فحق » ، وما عليه فواجب وهما متلازمان فكل حق يستلزم واجبا ، بل واجبين ، واجب على الناس أن يحترموا حقه ولا يتعرضوا له أثناء فعله ، وواجب على ذي الحق نفسه ، وهو أن يستعمل حقه في خيره وخير الناس ، وقد خفي الواجب الثاني على كثيرين لأنهم قصروا نظرهم على الواجب القانوني ولم يعدوه إلى الواجب الأخلاقي ، والقانون ينفذ الواجب الأول غالبا ويلزم الناس احترام حق ذي الحق وإلا فالعقوبة من ورائهم ، ولا يتدخل في الواجب الثاني غالبا بل يترك تنفيذه إلى ذي الحق نفسه .
في الحقيقة ، إن علم الأخلاق بصيغته العامة ، ينفي الفهم الشكلاني الجامد للواجب ، فإن السير غير الواعي على خطي أي نفوذ ، والتنفيذ الأعمى لإرادة الغير الذي يفهمه الفرد كواجب ، لا يبرز أنه أخلاقيا ، ولا ينزعان عنه الأفعال التي يقوم بها .
ويعرف التاريخ كثيرا من الأمثلة ، حيث استخدمت بعض الاتجاهات الفهم الشكلاني للواجب لتحويل الناس إلى دمى ، إلى منفذين أصماء لإرادة الغير ؛ والواجب كنمط للوعي الذاتي يرتبط ارتباطا وثيقا بالحوافز الإرادية ، بالضمير ، بصورة عامة ، بكل التوجهات الداخلية والمعاناة ومطامح الشخصية ، فعند الشخصية المتطورة أخلاقيا يكون الواجب متناغما مع الضمير . . .
لا ينهك حياتها الأخلاقية ، لا يكبل فعاليتها بسلاسل الزامات الواجب اللانهائية .
كتب « دوبروليوبوف » : يبدو أن الإنسان الذي يمكن تسميته أخلاقيا ليس ذلك الذي يحمل على عاتقه عبء أوامر الواجب ، كثير ما تقيل ل « قيود أخلاقية » بل بالضبط الذي يسهر على أن يمزج مطالب الواجب بحاجات جوهره الداخلي الذي
البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 62
مساهمون: محمد الجبر
ص٦٢