تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنى الأساسية في علم الأخلاق — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
« ابحث عن هذا المؤشر لكي تحصل على تلك اللذة » « 1 » وما العادات الفردية سوى العناصر الأساسية التي تنشأ عنها العادات والتقاليد الجمعية . فالتجربة إذا هي التي تكون الضمير ، أو هي المصدر الأساسي لنشأته - لذلك يقول هيوم : « إن العادة هي المرشد الأساسي في حياة الإنسان » . ولهذا فإن هيوم لا يخشى مبدأ الشك المفرط ، ويعتقد أن أكبر معول يهدم هذا الشك هو العمل والحركة والانهماك في القيام بأعباء الحياة العامة . فالضمير والحالة هذه هو الكتلة النشطة التي تتكون من المعتقدات المنبعثة عن اتصالنا بعالم التجربة . هذا هو تفسير المذهب التجريبي لنشأة الضمير الأخلاقي ، وأنا وإن كنت لا أوافق على ما يذهب إليه من اعتبار العادات الفردية أساسا للعادات الجمعية . إلا أنني لا أستطيع أن أنكر أثره من حيث توضيح أهمية الاستقراء النظري والعملي كشرط من شروط البحث في الحياة الأخلاقية . لأن الحياة الأخلاقية ليست هي منبثقة من فرد واحد وإنما هي حصيلة مجتمع ، جماعة ، عبر تاريخها الطويل . ولذلك فإن الضمير ما هو إلا حامل الأخلاق الاجتماعية إلى الحياة النفسية للشخصية المنفردة .

2 - التفسير التطوري :

عندما نسترجع تاريخ الفكر الإنساني ، فنلاحظ بأن المذاهب التطورية قد ذاعت في القرن التاسع عشر ، وخاصة مذهب « سبنسر » ، واهتم الناس بها اهتماما كبيرا . ونستطيع أن نلاحظ بأن مصدر الأفكار والآراء التي نادى بها « سبنسر » ترجع إلى نظرية « هوبز » عن الحالة الطبيعية ، ولكن في الحقيقة قد تشكلت هذه الآراء ووضعت في صيغتها النهائية التي أكسبتها ذلك الذيوع بين الجماهير ، بفضل نظرية داروين عن « أصل الأنواع » وعن « الإنتقاء الطبيعي » . ويربط سبنسر فكرة الضمير الأخلاقي بالفكرة العامة التي تسيطر على مبدأ التطور وهي فكرة « بقاء الأصلح » ؛ فالتغيرات النافعة أي التي تعود فائدتها على الجنس ، ومنها بطبيعة الحال الوسائل النافعة في السلوك ، تظل بصورة مستديمة ويحتفظ بها أفراد الجنس بعد أن تتبين لهم فائدتها ، وتصبح بذلك استعدادات وراثية في سلالاتهم . وعلى ذلك فإن الضمير الأخلاقي
هامش
( 1 ) محمد بدوي ، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع ص 134 .