سيرة الفيلسوف أسوة حسنة ، ولقد كان سقراط أول فيلسوف في الأخلاق ممثلا لذلك إذ كان سلوكه يتسق تماما مع تفكيره ، وكانت المدارس السقراطية متأثرة بشخصيته لدرجة لا تقل عن اتباعها لآرائه ، كذلك كانت الحياة الشخصية للكلبيين والرواقيين معبرة تماما عن مذاهبهم ، أما في الفلسفة الحديثة فلم يكن فلاسفة الأخلاق يراعون ذلك باستثناء « كنط » وإن كانوا على الأقل لم يصلوا بسيرتهم إلى درك من التناقض مع آرائهم ، والواقع أن ذلك غير مستساغ على الإطلاق إلا أن يكون عرضا نفسيا يسمونه ازدواج الشخصية . ويمكننا القول بأن أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل العمل في مذهبهم الكلامي وهو الأصل الذي آمنوا به يقينا ومارسوه عملا .
يذهب المعتزلة إلى أنه باللسان واليد والسيف ، كيف قدروا على ذلك . فسل السيوف واجب إذا لم يمكن درء المنكر إلا بذلك « 1 » لا فرق في ذلك بين مجاهدة كافر أو فاسق ، ولا يختص الولاة بالأمر بالمعروف بل هو ثابت لآحاد المسلمين ، على أن الأمر في ذلك موكل إلى أهل الإجتهاد فليس للعوام في ذلك أمر ولا نهي .
ومن ثم فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته ، وكيف يباشره ؛ فإن الجاهل ربما نهى عن معروف أو منكر ، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة وينكر على من لا يزيد إنكاره إلا تماديا أو على من الإنكار عليه عبث . ومن شروط الآمر بالمعروف أن يعلم أن ذلك لا يؤدي إلى مضرة أعظم منه ، فإنه لو علم أو غلب على ظنه أن نهيا عن شرب الخمر يؤدي إلى قتل جماعة من المسلمين لم يجب ، كذلك أن يعلم أو يغلب على ظنه أن لقوله فيه تأثيرا فإن لم يعلم ذلك فإنه يحسن وإن لم يجب .
والأمر بالمعروف بالمعنى المعتزلي تابع للمأمور به إن كان واجبا فواجب ، وإن كان ندبا فندب ، وأما النهي عن المنكر فواجب كله ، لأن جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح ، وشرط الوجوب أن يغلب على ظنه وقوع المعصية ؛ نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته ، وألا يغلب على ظنه أن أنكر لحقته مضرة عظيمة ، بل يبتدئ في إنكاره بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب ، لأن الغرض كف عن المنكر .
هامش
( 1 ) أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ص 311 .