تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
الآمر المطلق ، وبهذه الصفة وحدها يكون قانونا لكل إرادة إنسانية . أما ما يشتق من الاستعداد الطبيعي الخاص بالإنسانية ، وما يشتق من بعض العواطف وبعض الميول ، فيمكن أن يزودنا بقاعدة للاستعمال الخاص ، لكنه لا يستطيع أن يزودنا بقانون ؛ إنه يزودنا بمبدأ ذاتي يمكن أن نفعل وفقا له عن ميل وانعطاف ، لا بمبدأ موضوعي وفقا له يكون الأمر لنا بالفعل ، بينا ميولنا واستعداداتنا وعواطفنا تتعارض وإياه . والسموّ الباطن الكامن في الواجب يبدو أروع كلما اشتدت مقاومة الميول والعواطف له ، دون أن يكون لذلك أدنى أثر في الإلزام الذي يفرضه هذا الواجب . وهنا نشهد الفلسفة في موقف حرج : إذ عليها أن تعثر على وضع راسخ دون أن يكون لها ارتباط أو ارتكاز على نقطة في الأرض ولا في السماء ، أي لا تكون قائمة على موضوعات لا محسوسة ، ولا معطيات متغيرة عرضية للتجربة ، بل عليها أن تقوم على النقد ومهمته اكتشاف القوة العملية للعقل . « وعلى الفلسفة أن تكشف هاهنا عن محوضتها بأن تجعل من نفسها حارسة على قوانينها الخاصة ، بدلا من أن تكون المنادية على تلك التي يوحي بها الحسّ النظري أو ما لست أدري من طبيعة حارسة . صحيح أن هذه في مجموعها أفضل من لا شيء ؛ لكنها رغم ذلك لا تستطيع أبدا أن تقدّم مبادئ مثل تلك التي يمليها العقل والتي يجب أن يكون لها أصل قبلي تماما ، وأن تستمد من ذلك سلطتها الآمرة ، غير منتظرة شيئا من ميل الإنسان ، ومنتظرة كلّ شيء من سيادة القانون وما ينبغي له من احترام ، أو في الحالة المضادة ، فارضة على الإنسان أن يحتقر نفسه وأن يستلهم الفزع في داخل ذاته » « 1 » . ومن هنا فإن كل عنصر تجريبي لا يصلح أن يكون معينا لمبدأ الأخلاقية ؛ بل أكثر من هذا هو ضارّ بمحوضتها . والقيمة العظمى للإرادة الخيرة تقوم في كون مبدأ فعلها مستقلا عن كل التأثيرات الخارجية الناجمة عن مبادئ
هامش
( 1 ) « تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق » - ص 145 - 146 من الترجمة الفرنسية .
الأخلاق عند كنت — صفحة 79 | عبد الرحمن بدوي