وتبعا لذلك فإن الإرادة ، وهي تعتبر نفسها صانعة للنظام في الطبيعة ، لا يمكن أن تريد أن تبقى الكائنات الانسانية معزولين - بالأنانية - بعضهم عن بعض ويعامل بعضهم بعضا كغرباء .
* * * تلك أمثلة لواجبات حقيقية يمكن استنباطها من مبدأ وحيد هو الذي ذكرناه من قبل . « إن من الواجب أن نقدر على أن نريد أن ما هو قاعدة لسلوكنا يصير قانونا كليا ؛ وذلك هو القانون ( - المعيار ) الذي يمكّن من التقدير الأخلاقي لأفعالنا بوجه عام . وثم أفعال طبيعتها هي أن قاعدتها لا يمكن أن تصوّر بغير تناقض على أنها قانون كلّي للطبيعة ، فضلا عن أن نستطيع أن نضع بالإرادة أن هذه القاعدة يجب أن تصير قانونا كليا للطبيعة . وهناك أفعال أخرى لا نجد فيها هذه الاستحالة الباطنة ، لكنها تكون بحيث أنه من المستحيل أن نريد أن ترفع قاعدتها إلى مستوى كلية قانون للطبيعة ، لأن مثل هذه الإرادة ستناقض نفسها حينئذ . ويتضح بسهولة أن قاعدة النوع الأول من الأفعال مضادة للواجب الدقيق أو الضيّق ( المتشدد ) ، بينما قاعدة النوع الثاني من الأفعال لا تضادّ إلّا الواجب الواسع ( الاستحقاقي ) ، وهكذا فإن كل الواجبات ، فيما يتعلق بنوع الإلزام الذي تفرضه ( لا غرض الفعل الذي تحدده ) تبدو بجلاء تام من خلال هذه الأمثلة أنها تتوقف على نفس المبدأ الوحيد .
والآن فإننا إذا انتبهنا إلى أنفسنا في كل الأحوال التي فيها ننتهك واجبا ، فإننا نجد أننا لا نريد حقا أن تصير القاعدة التي اتخذناها - أن تصير قانونا كليا ، لأن هذا مستحيل علينا ، بل يجب بالأحرى أن تبقى القاعدة المقابلة هي القانون الكلي ، بيد أننا نستبيح لأنفسنا الحرية في أن نستثني أنفسنا ، أو ( هذه المرة فقط ) لصالح ميولنا . وتبعا لذلك فإننا لو اعتبرنا كل شيء من وجهة نظر واحدة وحيدة ، أعني من وجهة نظر العقل ، فإننا سنجد تناقضا في
الأخلاق عند كنت — صفحة 77
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٧٧