تمييز الحكم ، وسائر مواهب النفس ، أيا كان الاسم الذي نطلقها عليها ، أو الشجاعة ، أو العزم ، أو المثابرة في النوايا ، بوصفها صفات للمزاج - أمور خيرة ومرغوب فيها من عدة نواح ، لكن هذه المواهب الطبيعية يمكن أن تصبح في غاية الشر والسوء إذا لم تكن خيّرة الإرادة التي عليها أن تستعملها ، والتي تسمى استعداداتها لهذا السبب خلقا . والأمر كذلك بالنسبة إلى مواهب البخت . فالسلطة ، واليسار ، والجاه ، بل والصحة نفسها والرخاء الكامل والرضا بالحال ، وهو ما يسمى بالسعادة - تولّد ثقة بالنفس كثيرا ما تتحوّل إلى ادّعاء وغرور ، متى لم تكن هناك إرادة خيّرة لتقويم اعتدال الأثر الذي لهذه المزايا في النفس وتوجيهه نحو غايات كلية ، وفي الوقت نفسه تقويم مبدأ الفعل ؛ هذا فضلا عن أن المشاهد العاقل النزيه لا يمكن أبدا أن يرضى حين يشاهد أن كل النجاح يحالف دائما كائنا لا يتحلى بأية سمة من سمات الإرادة الخيرة الطاهرة ؛ وهكذا يبدو أن الإرادة الخيّرة تكوّن الشرط الضروري حتى لما يجعلنا خليقين بأن نكون سعداء » « 1 » .
ذلك أن ما يكوّن الإرادة الخيرة ليس الاستعداد لبلوغ هذا الهدف أو ذاك ولا النجاح في أداء هذا الفعل أو ذاك ، وإنما الإرادة نفسها ، أي أن تستمد الإرادة قيمتها لا من نتيجة الفعل ، بل من انجاز الفعل والمبدأ الذي ألهم هذا الفعل . ففضيلتها ليست في النجاح ، كما أن الإخفاق الفعلي لا يغض من شأنها ، لأنها أسمى من كل ما عسى أن تبلغه من نجاح في الواقع . وإذن فلا ينبغي الحكم عليها بحسب فائدة أو عدم فائدة ما تقوم به من أفعال .
ولا يقصد كنت بهذا أن يفصل بين النيّة وبين الأفعال التي تعبّر عنها في الواقع ، بل هو يحرص على التنبيه على أنه ينبغي ألا نخلط بين الإرادة الخيرة وبين مجرد الرغبة أو الاشتهاء دون اتخاذ الوسائل التي تحت تصرف الإنسان .
هامش
( 1 ) الكتاب نفسه ج 4 ، ص 393 - ص 87 - 88 من ترجمة دلبوس الفرنسية ط 1 باريس 1907 .