وحينما ينكر كنت على الأمور التي أوردناها أن تكون خيريتها مطلقة ، فذلك لأنها خيرة أحيانا ، وغير خيّرة أحيانا أخرى ، على خلاف الإرادة الخيرة التي يجب أن تكون خيّرة في جميع الأحوال . فإن هذه الخيرات إذا صحبتها إرادة شريرة تحولت إلى شرور ، ليس فقط لأنها تنتج نتائج سيئة ، بل ولأنها هي نفسها مصدر لشرور أخرى هي تشارك كأجزاء فيها . فإن برود القاتل المحترف والفاتك المعتاد لا يجعله أشد خطورة فقط ، بل يجعله مباشرة أبشع في نظرنا مما لو لم يتصف بهذا البرود « 1 » .
لكن الإرادة الخيرة التي لا تقوّم بالمنفعة ولا بالسعادة وما أشبه ذلك - ما هي إذن ؟ أفليس في هذا مفارقة غريبة ؟
لهذا كان على كنت أن يخضع فكرته هذه عن الإرادة الخيرة إلى امتحان عكسي . يقول : « ومع ذلك فإن في هذه الفكرة عن القيمة المطلقة للإرادة البحتة ، وفي هذه الطريقة لتقريرها دون أن يدخل في الحساب أية منفعة - أمرا غريبا لدرجة أنه على الرغم من الاتفاق التام الموجود بينها وبين العقل المشترك ، فإن ثمّ شكّا يحيك في النفس : فلربما ليس ثم في هذا غير وهم عال ، ولربما كان ذلك فهما خاطئا للنية التي بها فوّضت الطبيعة للعقل حكم إرادتنا . لهذا فإننا من وجهة النظر هذه سنخضع هذه الفكرة للامتحان .
« في التركيب الطبيعي للكائن العضوي ، أي الكائن المهيّأ للحياة ، نحن نضع من حيث المبدأ أنه لا يوجد عضو قيّض لغاية معيّنة وليس في الوقت نفسه أصلح ما يسّر لتحقيق هذه الغاية . فإذا كانت الطبيعة - بالنسبة إلى الكائن المزوّد بعقل وإرادة - قد جعلت من المحافظة على بقائه ، ومن سعادته ، بعامة ، غرضا خاصا ، فإنها ستكون قد أخطأت التقدير باختيارها لعقل المخلوقات كمنفّذ لغرضها . لأن كل الأفعال التي يجب على هذا الكائن القيام
هامش
( 1 ) الكتاب نفسه ص 394 - 89 في الترجمة الفرنسية المذكورة .