تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
بها لهذا الغرض ، وكذلك القاعدة الكاملة لسلوكها ، كانت ستكون أدق في الانجاز بواسطة الغريزة ، وكانت هذه الغاية ستحقق على هذا النحو خيرا مما يستطيع العقل ذلك ؛ وإذا كان مثل هذا الكائن سيمنح العقل كنعمة وفضل ، فإنه ما كان ينبغي أن يفيده إلّا من أجل إجراء تأملات في الاستعدادات الطيبة بطبيعته ، ابتغاء الاعجاب بها ، والاستمتاع والرضا بها وشكر العلة واهبة النعم ، لا من أجل أن يخضع لهذا التوجيه الضعيف الخادع ملكته في الاشتهاء والانشغال المرتبك بتحقيق أغراض الطبيعة ؛ وبالجملة ، فإن الطبيعة كانت ستكون قد منعت من أن ينشغل بالاستعمال العملي ، ومن أن يدّعي - بنوره الكليل - تصور خطة السعادة والوسائل المؤدية إلى تحقيقها ؛ وكانت الطبيعة ستأخذ على عاتقها اختيار ليس فقط الغايات ، بل وأيضا الوسائل نفسها ، وبتبصر حكيم كانت ستكلها كلها إلى الغريزة فحسب « 1 » » . والفكرة التي يوردها كنت في هذه الفقرة خلاصتها أنه لو كانت الطبيعة تهدف إلى سعادة الانسان ، لكانت اختارت لتحقيق ذلك أن تزوده بالعضو الكفيل بأداء ذلك على أيسر وأحسن وجه . والعقل ليس هو ذلك العضو ، بل الغريزة أقدر على الوفاء بذلك من العقل . فإذا كانت قد أودعت العقل في الإنسان ، وجعلته أداة تحقيق غرضها ، وهو غير قادر على توفير مطلب السعادة فمعنى هذا أن الطبيعة لم تهدف إلى سعادة الإنسان . وكنت قد وقع هنا تحت تأثير روسو من جهة ، وتأثير المسيحية من جهة أخرى ، فذهب إلى أن العقل لا يؤدي دوره إلّا بمعارضة الغرائز الطبيعية ومضادة السعادة التي توفرها الغريزة . ولهذا فإن مهمة العقل هي تحقيق الحق والأخلاق المحضة ، وليس إرضاء ميول الإنسان وغرائزه . وهو في هذا يعارض أيضا نزعة التنوير التي
هامش
( 1 ) « تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق » ص 90 - 91 من الترجمة الفرنسية المذكورة .