أكّد أصحابها أن سيطرة العقل من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق أكبر سعادة للإنسان .
إن العقل إذا سعى إلى الاشتغال بحاجياتنا ، فإنه يعجز عن إشباعها ، بل يزيد في تفاقم أمرها . وكلما أوغل في تثقيف ذاته ، قل شعوره بالرضا بمتع الحياة . فإنك إن سألت الناس الذين سعوا للذة في مختلف مرافق الحياة ، حتى في أشدها ترفا وذلك في العلوم والفنون - فستجدهم يقرّون بأن سرورهم كان خادعا ، ولا يتناسب مع الجهود التي بذلوها ، إلى حد أنهم يفضي بهم الأمر إلى كراهية العقل
. Misologie
وليس هذا عن سوء مزاج ، وجحود لكرم الخالق الذي يحكم العالم ؛ بل هو دليل على الثنائية بين السعادة التي تنشدها ميولنا ، وبين العقل الذي لا يمكن أن يكون عمليا إلّا من أجل غاية أخرى مختلفة تماما .
فما ذا عسى أن تكون مهمة العقل إذن ، اللهم إلا ايجاد إرادة خيّرة لا تسعى إلى اشباع الميول ، وإنما تكون خيرة في ذاتها وبذاتها فحسب .
لكن إذا كانت الإرادة الخيرة هي الخير الأسمى ، فليس معنى هذا أنها الخير الوحيد « 1 » ، أو أنها الخير كله . فليس بصحيح إذن أن كنت يحط من شأن السعادة ، إنما هو يجعلها من ضمن سائر الخيرات ، وليست الخير الأسمى أو الخير كله . والعقل يلعب دورا ضروريا في تحقيق السعادة ، وذلك بإرشادنا إلى وسائل تحقيقها . ولكن مهمته الكبرى هي السعي إلى الخير الأسمى ، وهو غير مشروط بالشهوات والحاجات ، وبهذا يؤدي غايته ، وإن لم يؤدّ إلى تحقيق السعادة . وهذا الخير غير المشروط هو الإرادة الخيّرة .
وإذن « فمهمة العقل الحقيقية هي ايجاد إرادة خيّرة ، لا بوصفها وسيلة من أجل غاية أخرى ، بل خيّرة في ذاتها : ولهذا السبب كان وجود العقل
هامش
( 1 ) « تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق » ، مؤلفاته طبعة الأكاديمية ج 4 ص 396 - ص 93 من الترجمة الفرنسية .