والسبب في ذلك أنه من المستحيل أن يتساوى الحب والاحترام بين الجانبين ، وهو أمر ضروري مع ذلك للصداقة . ثم إن الحب يعد قوة جذب ، والاحترام يعد قوة تباعد حتى إن مبدأ الحب يأمر بالتقارب ، بينما مبدأ الاحترام يدعو إلى المحافظة على مسافة فيما بين الطرفين الواحد تجاه الآخر . ومن هنا جاء المثل أو القاعدة : يجب على أصدق الأصدقاء ألا يتعاملوا بتبسط . ومن هنا قال أرسطو : يا أصدقائي الأعزاء ، لا يوجد أصدقاء !
والملاحظات التالية تنبّه إلى صعوبات الصداقة :
2 - إذا نبّه صديق صديقه إلى أخطائه ، فهذا واجب تقتضيه الأخلاق ، لأنه إنما يستهدف خيره ، فهو إذن واجب حب . لكن الطرف الآخر يرى في ذلك افتقارا إلى الاحترام الذي ينتظره منه ، ويحسب أنه فقد تقدير الآخر ، أو يخشى ذلك على الأقل ، لأن الآخر يلاحظه ويراقبه وينقده سرّا ؛ ومجرد كونه ينبغي أن يراقب وينقد يبدو له في ذاته شيئا مهينا .
ب - كم يتمنى المرء في المحنة أن يجد الصديق المعين الفعّال الذي يستطيع أن يسعف بما يبذله من أفعال ومعنويات ؟ لكن ألا يشعر المرء بعبء فادح حين يحسّ بأن مصيره مرتبط بشخص آخر يرجّي منه أن يسدي إليه العون ؟ « إن الصداقة لا يمكن إذن أن تكون ارتباطا يهدف إلى منافع متبادلة ، بل يجب أن تكون أخلاقية محضة ، والمعونة التي يمكن كل واحد منهما أن يحسب حسابها ويعتمد عليها من الآخر في حالة المحنة ، يجب ألّا تعد هي الغرض من الصداقة ولا مبدأ تحديدها ، - وإلا لفقد أحدهما احترام الآخر - ، بل فقط على أنها شهادة خارجية على الاحسان الباطن القلبي المفترض عند الآخر ، دون أن يريغ مع ذلك إلى وضعه موضع الاختبار ، لأن هذا دائما ينطوي على مخاطر ، ولهذا فإن على كل صديق أن يكون لديه القدر الكافي من سخاوة النفس بحيث يعفي الآخر من هذا العبء ، كيما يحمله هو وحده ، بل وأن يحرص على ستره عنه تماما ، لكن يمكنه مع ذلك أن يمنّي نفسه بأنه في حالة المحنة يمكنه أن يعتمد على معونة الآخر . لكن إذا تلقى فضلا من الآخر ، فربما يمكنه أيضا أن يعتمد على
الأخلاق عند كنت — صفحة 222
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٢٢٢