ما يتجاوز حدود الحاجة الحقيقية ) ، لأن الجشع يمكن أيضا أن يعد مجرد انتهاك لواجب الانسان نحو الغير ( الاحسان ) ، وإنما أقصد التقتير الذي يسمى حين يكون معرّة باسم : الدناءة أو الكزازة ، وينبغي ألّا يعد اهمالا لواجب حبنا للغير ، بل هو التضييق في الاستمتاع الشخصي بوسائل السعادة إلى ما تحت مقدار الحاجة الحقيقية ، وهذا التضييق انتهاك للواجب نحو الذات » « 1 » .
ويرى كنت أن دفع هذه الرذيلة يصلح مثلا لبيان عدم صحة كل تعريفات الفضيلة والرذيلة تبعا للدرجة ، واستحالة استخدام المبدأ الأرسطي الذي يقول إن الفضيلة تقوم في مرتبة وسطى بين رذيلتين . ذلك لأنني إذا اعتبرت أن الربط بين التبذير والبخل ( أو التقتير ) هو حسن الاقتصاد ، وكان هذا هو الدرجة الوسطى ، فإنه لن يمكن الانتقال من رذيلة إلى رذيلة إلّا بواسطة الفضيلة ، والفضيلة لن تكون إلّا رذيلة مقلّلة أو زائلة ؛ وفي مسألة البخل فإن الفضيلة ستكون حينئذ هي عدم استعمال وسائل الرفاهية !
ولهذا ينبغي اعتبار المبدأ الموضوعي ، وليس درجة مقدار ممارسة القواعد الأخلاقية . وقاعدة الجشع تقوم في اقتناء كل وسائل الرفاهية والاحتفاظ بها من أجل الاستمتاع . وقاعدة الكزازة تقوم في اقتناء كل وسائل الرفاهية والاحتفاظ بها لكن من أجل الاستمتاع ، بأن تكون الغاية هي الاقتناء فقط . فالبخيل يريد اقتناء ما يمكنه من وسائل الاستمتاع لكن مع عدم الرغبة في استعمالها ، وهو بالتالي يحرم نفسه من متع الحياة ، وهذا من حيث الغاية أيضا واجب المرء نحو ذاته .
والسؤال الذي يقوم هاهنا هو : هل الجشع أي الشهوة التي لا تشبع من الاقتناء ، والشحّ أي الحزن الناجم عن الاتفاق - لا يستحقان بالأحرى وصف عدم الحيطة أولى من الوصف بالرذيلة ، وتبعا لذلك فإنهما يقعان فيما يتجاوز حدود واجب المرء نحو نفسه ؟
هامش
( 1 ) « مذهب الفضيلة » بند 10 ، - ص 106 من الترجمة الفرنسية .