تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
ولا يمكن حينئذ أن يعد خرقا للواجب . والكذب اطّراح للكرامة الإنسانية وسلب لها . فالانسان الذي لا يصدق ما يقوله هو للغير - حتى لو كان هذا الغير شخصا مثاليا - يكون أقل قيمة مما لو كان مجرد شيء ، لأنه لما كان الشيء شيئا حقيقيا ومعطى ، فيمكن الغير أن يستعمله ، بينما ابلاغ المرء أفكاره إلى الغير على عكس ما يعتقد هو غاية مضادة مباشرة للغائية الطبيعية من ملكة إبلاغ الأفكار للغير ، أي أن فيه تخليا عن الشخصية ، وبدلا من أن يكون إنسانا ، يصبح شبح إنسان . والصدق في القول يسمى أيضا أمانة ، وإذا تعلق الأمر بالوعد يسمى استقامة وبصفة عامة يسمى حسن ثقة
. bonne foi
وللحكم على الكذب بأنه رذيلة ، من حيث إنه بطلان مقصود متعمّد ، ليس من الضروري أن يكون مضرّا بالغير ، لأن الكذب لن يكون حينئذ غير انتهاك لحق الغير . ولقد يكون سببه مجرد الخفة ، بل وأحيانا طيبة النفس ، بل لقد يهدف المرء أحيانا من وراء الكذب إلى غاية حسنة ؛ لكنه من حيث الشكل هذه الطريقة في تحصيل الغاية هي جريمة يرتكبها المرء تجاه شخصه هو ، وخسّة تجعله محتقرا في نظر عينيه هو . وقد يكون من التناقض الظاهري أن يكذب المرء على نفسه ، وهو الكذب الباطن ؛ لهذا يفترض في هذا النوع من الكذب أن الإنسان يتخيل شخصا ثانيا يريغ إلى خداعه ؛ ففيه إذن ازدواج للشخصية . ومن أمثلة الكذب الباطن : أن يتظاهر بالايمان بالحساب يوم القيامة ، بينما لا يشعر بهذا الايمان في داخل ذاته ، لكنه يقنع نفسه بأن ذلك لا يضرّه بل بالعكس قد ينفعه لدى الآخرين استجلابا لرضاهم أو لعطفهم . ومن أمثلته أيضا أن يتباهى بالخضوع للشريعة الإلهية عن احترام باطن ، بينما هو لا يستشعر في باطنه بدافع غير الخوف من العذاب .