ويجيب كنت على هذا الاعتراض بأن « المبدأ المسيحي للأخلاق ليس لاهوتيا ، ( وبالتالي : تشريعا خارجيا ) ، بل هو التشريع الذاتي للعقل المحض العملي بذاته ، لأن هذه الأخلاق تجعل من معرفة اللّه ومن إرادته الأساس ، لا لهذه القوانين ، بل للأمل في بلوغ الخير الأسمى بشروط مراعاة هذه القوانين ، لأنها تضع الدافع الحقيقي ، الخليق بأن يجعلنا نراعيها ، لا في النتائج المشتاقة ، بل فقط في تصور الواجب ، بوصفه الأمر الوحيد الذي تجعلنا مراعاته الأمينة جديرين بالحصول على هذه النتائج » « 1 » .
وهكذا يؤدي القانون الأخلاقي إلى الدين ، وذلك بفضل فكرة الخير الأسمى بوصفه غاية العقل المحض العملي ، « أي يؤدي إلى الإقرار بأن كل الواجبات أوامر إلهية ، لا كجزاءات ، أي أوامر اعتباطية عرضية صادرة عن إرادة أجنبية ، بل كقوانين جوهرية لكل إرادة حرة في ذاتها ، ولو أنها يجب أن تعتبر أوامر لكائن أعلى ، لأننا لا نستطيع أن نأمل في الخير الأسمى - الذي يجعله القانون الأخلاقي واجبا علينا كغاية لجهودنا - إلّا من إرادة كاملة ( مقدسة وخيّرة ) أخلاقيا وفي نفس الوقت قادرة قدرة مطلقة وتبعا لذلك لا يمكننا أن نأمل في بلوغ ذلك إلا بالاتفاق مع هذه الإرادة . وهكذا يبقى كل شيء هاهنا نزيها ومؤسسا فقط على الواجب ، دون أن يستطيع الخوف أو الرجاء ، كدافعين ، أن يؤخذا كمبادىء ، لأنهما إذا صارا مبدئين ، دمّرا كل القيمة الأخلاقية للأفعال ، إن القانون الأخلاقي يأمر بفعل الخير الأسمى الممكن في العالم الغاية النهائية لكل سلوكي . لكنني لا أستطيع الأمل في تحقيقه إلا باتفاق إرادتيّ مع إرادة صانع للعالم قدّوس وخيّر ، وعلى الرغم من أن سعادتي الخاصة متضمّنة في تصور الخير الأسمى ، تضمن الجزء في الكل حيث السعادة الكبرى تتمثل مرتبطة بنسبة دقيقة مع أعلى درجة للكمال الأخلاقي ( الممكن للمخلوقات ) ، فإنه ليست سعادتي ، بل القانون الأخلاقي ( الذي
هامش
( 1 ) « نقد العقل العملي » ط 1 ص 232 - ص 138 من الترجمة الفرنسية .