تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
الرواقيون فقد أحسنوا اختيار مبدئهم العملي الأعلى ، وهو الفضيلة ، شرطا للخير الأسمى . لكنهم لما تصوّروا درجة الفضيلة المطلوبة بحسب قانونهم على أنها يمكن بلوغها في هذه الحياة ، فإنهم بذلك ليس فقط رفعوا السلطة الأخلاقية للإنسان ، الذي سمّوه : الحكيم ، فوق كل حدود طبيعته وأقروا بشيء يتناقض مع كل المعرفة الإنسانية ، بل وأيضا وخصوصا لم يشاءوا أن يقرّوا بالعنصر الثاني للخير الأسمى ، وهو السعادة ، كموضوع خاص بملكة الرغبة الإنسانية . لقد جعلوا من حكيمهم نوعا من الإله ، دون أي اعتبار للطبيعة ، فارضين إياه معرّضا ، لا خاضعا ، لمصائب الحياة وشرورها ، ومتصوّرينه في نفس الوقت متحررا من الشرّ . وهكذا طرحوا ظهريّا العنصر الثاني في الخير الأسمى ، وهو السعادة الشخصية ، واضعين إياها في الفعل وفي الرضا عن النفس ، وبهذا حصروها في الشعور بالطريقة الأخلاقية للتفكير ؛ وهو أمر يفنده صوت الطبيعة فيهم . وهنا يؤوّل كنت المسيحية تأويلا خاصّا يتفق مع مذهبه هو فيقول إن المسيحية ، حتى لو لم ننظر إليها بعد على أنها مذهب ديني ، ترضي تماما مطالب العقل العملي . ذلك أنها تأمر بطهارة الأخلاق ، وتعلن في الوقت نفسه أن الانسان لا يمكن أن يصل إلّا إلى الفضيلة ، أي إلى التصميم على الفعل وفقا للقانون احتراما له ، وتنبه إلى الدوافع النجسة التي يمكن أن تفسد نواياه في كل لحظة . فهي إذن ترى من الضروري التقدم اللانهائي نحو القداسة ، وبهذا تبعث فينا الأمل في استمرار حياتنا الأخلاقية . وإذا كانت تعلن أن هذا التقدم يمكن أن يبدأ في حياتنا الدنيا هذه ، فإنها بذلك تقرّ بأن السعادة المناظرة لذلك ليست في مقدورنا ، ولا يمكن أن نظفر بها إلا في حياة أخرى ، نحن نرجوها . لكن أليس في هذا عود إلى الأخلاق اللاهوتية ، أي التي تتلقى أوامرها من سلطة خارجية ؟ أين إذن التشريع الذاتي الذي جعله كنت جوهر الإرادة الأخلاقية ؟