ويبادر كنت فيؤكد أن هذه الضرورة الأخلاقية ذاتية ، أي أنها حاجة ، وأنها ليست موضوعية ، أي ليست هي نفسها واجبا ، إذ الاقرار بوجود شيء ما ليس واجبا ، بل هذا أمر يتعلق بالعقل النظري ، فلا يدخل في باب الواجب ، إذ الواجب إنما يدخل في ميدان العقل العملي ، لأنه من مجال الأخلاق .
كذلك نبّه إلى أنه ينبغي ألا نستنتج من هذا أنه من الضروري الاقرار بوجود اللّه كأساس لكل الزام بوجه عام ، لأن هذا الأساس يقوم على التشريع الذاتي للعقل نفسه . وإنما ما يتعلق هاهنا بالواجب هو فقط العمل من أجل تحقيق الخير الأسمى ، وهو أمر لا يمكن افتراضه إلا بافتراض وجود عقل أعلى .
« فالاقرار بوجود هذا العقل الأعلى هو إذن أمر مرتبط بالشعور بواجبنا ، وإن كان أمر الاقرار به ينتسب إلى العقل النظري » « 1 » .
وهذا هو السرّ - هكذا يشرح كنت - في أن المدارس الفلسفية اليونانية لم تصل إلى حل مشكلة الامكان العملي للخير الأسمى : ذلك أنهم اتخذوا من استعمال المرء لحرية إرادته المبدأ الكافي والوحيد لهذا الإمكان ، دون حاجة إلى وجود اللّه . وقد كانوا على حق في تقرير مبدأ الأخلاق مستقلا عن هذه المصادرة ، استنادا إلى علاقة العقل بالإرادة ، وجعل ذلك الشرط العملي الأعلى للخير الأسمى . لكن ذلك ليس كل شرط امكان الخير الأسمى . صحيح أن الأبيقوريين قد اتخذوا مبدأ باطلا ، هو مبدأ السعادة ، واستبدلوا بالقانون قاعدة اختيار اعتباطي وفقا لميل كل فرد ؛ لكنهم كانوا مع ذلك منطقيين في سلوكهم حين نزلوا بمستوى خيرهم الأسمى إلى مستوى انحطاط مبدئهم وحين لم يتوقعوا سعادة أكبر من تلك التي تحققها الفطنة الإنسانية ( بما في ذلك العفة والاعتدال في الشهوات ) ، وهي سعادة حقيرة وتتفاوت بحسب الظروف ، فضلا عما تنطوي عليه قاعدتهم من استثناءات عديدة عليهم أن يقرّوا بها . أما
هامش
( 1 ) « نقد العقل العملي » ط 1 ص 227 - ص 135 من الترجمة الفرنسية .