يمكن أن يوجد في الأولى عنصر نظري ، وفي الثانية عنصر عملي . ومن هنا قال في التعريف الذي ذكرناه منذ قليل إن المصادرة قضية نظرية ، ذلك أنها تتعلق بوجود موضوع لا يتوقع من إرادتنا تحققه الخاص ، ولكنه يجعل من الممكن تحقيق الخير الأسمى بواسطة إرادتنا ؛ موضوع يمكن بل ويجب في ذاته أن يعرف ، لو كانت لنا ملكات صالحة لإدراكه . وتوكيد مثل هذا الموضوع يبقى دائما في نظر العقل النظري مجرد فرض غير مشفوع بأي يقين ؛ لكنه في نظر العقل العملي فرض ضروري ، فرض يمكن أن ينعت بأنه ذاتي بمعنيين : أولا بمعنى أنه لا يوجد برهان نظري كاف عليه ؛ وثانيا وخصوصا ، بمعنى أنه مستمد من حاجة العقل .
وهنا اعترض قيتسنمن « 1 » - أول من اعترض - قائلا : هل يمكن أن نستدل من الحاجة على حقيقة الشيء ؟ هل العاشق الممتلىء بصورة الفتاة الجميلة التي شاهدها في الحلم له الحق في أن يقرر أن هذه الجميلة توجد فعلا ؟
فردّ كنت عليه قائلا : « إنني أسلّم لك بهذا الاعتراض في جميع الأحوال الذي تكون فيه الحاجة مؤسسة على الميل ؛ لأن الميل لا يمكن أبدا أن يصادر - ضرورة - بالنسبة إلى من يتأثر به - على وجود موضوعه ، فضلا عن أنه لا يمكن أن يفرض نفسه على كل إنسان ، ولهذا فإنه مبدأ ذاتي خالص للرغبة .
لكن إذا تعلق الأمر بحاجة عقلية مستمدة من مبدأ موضوعي لتعيين الإرادة ، أي من القانون الأخلاقي ، الذي يلزم لا محالة كلّ كائن عاقل ، وبالتالي يسمح له بأن يفترض قبليا في الطبيعة شروطا ملائمة ويجعل هذه الشروط غير منفصلة عن الاستعمال العملي الكامل للعقل . إن علينا واجب أن نحقق الخير الأسمى ، على أقصى نحو مستطاع ، وتبعا لذلك فإن الخير الأسمى يجب أن يكون ممكنا ،
هامش
( 1 )Wizenmannفي بحث نشر في مجلةDeutsches Museumعدد فبراير سنة 1787 وأشار كنت إليه في تعليقة له في « نقد العقل العملي » ط 1 ص 259 - ص 153 تعليق 2 من الترجمة الفرنسية .