بالتالي ضروريّ . لأنه بدون هذا الاخضاع ( من الواحد للآخر ) ، فسيكون هناك تناقض بين العقل وبين نفسه ، لأنهما لو كانا نسقّا فقط ، فإن الأول ( العقل النظري ) سيحصر نفسه في داخل حدوده ، ولن يقرّ في ميدانه بشيء مما يقول به الثاني ( العقل العملي ) ، وهذا الأخير سيبسط حدوده على كل الأشياء ، ويسعى ليدخل أولا أينما دعته حاجاته إلى الدخول . أما أن يخضع العقل العملي للعقل النظري ، وذلك بقلب الترتيب ، فهذا ما لا نستطيع أبدا أن نطالب العقل العملي به ، لأن كل مصلحة هي عملية وأن مصلحة العقل النظري نفسها ليست إلا مشروطة ، ولا تكون كاملة إلّا في الاستعمال العملي » « 1 » .
ورد كنت هاهنا ردّ غير مقنع عقليا ، ولا يمكن أن يقبله إلّا من كان مؤمنا من قبل بهذه التفرقة بين عالم محسوس وعالم معقول ، عالم ظواهر وعالم أشياء في ذاتها ؛ لكن من يؤمن مقدما هذا الايمان ، هل هو بعد في حاجة إلى أي استدلال عقلي ؟ !
على كل حال يرى كنت أنه وإن كان العقل واحدا ، فإن له استعمالين :
أحدهما نظري ، والآخر عملي ؛ وأنه يجوز للواحد ما لا يجوز للآخر ؛ وأن ما يراه العقل العملي ينبغي أن يعدّ معرفة نظرية ، مثل تلك المعرفة التي يصل إليها العقل النظري ، وإلّا وقعنا في تهاويل الثيوصوفيّين والصوفية والميتافيزيقيين والدوجماتيقيين .
« لكن هل ينتج عن هذا أن العقل النظري والعقل العملي يجب أن يبقيا حاضرين وأن ينسّقا فيما بينهما أمورهما ، وليس أكثر من ذلك ؟ إن من شأن هذا أن نعرّضهما إلى تنازع مستمر ، وإن فيه انكارا لطابعهما الخاص وهو أن لهما خارج شروطهما العامة المشتركة ، مصالح خاصّة بها يمكن أن يقارنا . إن مصلحة العقل النظري هي دفع المعرفة إلى المبادئ القبلية العليا : فلو فرضنا
هامش
( 1 ) « نقد العقل العملي » ط 1 ص 218 - 219 - ص 130 - 131 من الترجمة الفرنسية .