لا يجري وفقا لنوايا الإرادة ، بل يجري وفقا للعلل العامة للطبيعة ، كما يقررها العقل النظري .
فهل معنى هذا أن تحقيق الخير الأسمى مستحيل ؟
لو كان مستحيلا لجرّ ذلك إلى عدّ القانون الأخلاقي زائفا ، لما بينها من ارتباط ضروري .
لكن لما كان القانون الأخلاقي يقينيا ، فلا بد من حل لهذه النقيضة .
وعند كنت أن الحل ممكن ؛ بفضل التمييز بين العالم المحسوس والعالم المعقول .
ولقد رأينا ( ح 1 ص 307 وما يليها ) فيما يتصل بالنقائض الرياضية أن الموضوع ونقيضه كليهما باطل ؛ وفيما يتصل بالنقائض الديناميكية اعتبر كل من الموضوع ونقيضه صحيحا ، ولكن من وجهتي نظر مختلفتين . أما بعد الفحص عن نقيضة العقل العملي ، فإن التصور الذي يجعل الفضيلة مشتقة من طلب السعادة يظل باطلا بطلانا مطلقا ، بينما التصور الذي يشتق السعادة من الفضيلة ليس باطلا إلّا من وجهة نظر معيّنة ، لكنه من وجهة نظر أخرى يمكن أن يعدّ صادقا . فلو أقررنا أنه وفقا لقوانين العالم الحسّي الفضيلة تولّد السعادة ، فإن القول يظل باطلا ؛ لكن لو أقررنا أن الفضيلة تفترض في القانون الأخلاقي مبدأ للتعيين عقليا محضا ، فلا يعود من المستحيل أن تكون أخلاقية النيّة هي العلة المعقولة لمعلول محسوس ، سيكون هو السعادة المتباينة معها . وهذا الترابط العلّي سيكون ضروريا ، وإن لم يكن مباشرا ، وهو يقتضي ، ليكون فعّالا ، فعل صانع الطبيعة . وعلى كل حال ، فإن نقيضة العقل العملي لن تعود بعد غير قابلة للحل ، ما دام أحد طرفيها سليما ، على شرط ألا نعدّ العلاقة بين الأشياء في ذاتها والظواهر علاقة بين ظواهر تعتبر كأنها أشياء في ذاتها . على أن حل هذه النقيضة يكشف عن استحالة أن نجد في حياتنا الدنيا هذه ، أي في العالم
الأخلاق عند كنت — صفحة 141
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص١٤١