ولا بد أن نأسف على كون ذكاء هؤلاء الناس ( الأبيقوريين والرواقيين ) قد سخّر للبحث عن الهوية بين تصورين متمايزين مختلفين تماما ، هما تصور السعادة ، وتصور الفضيلة ، وإن كانوا جديرين بالاعجاب لأنهم حاولوا في تلك العصور السحيقة البحث في كل الطرق المؤدية إلى انجازات فلسفية .
بيد إن المدرستين الأبيقورية والرواقية اختلفتا في تحديد الطريقة التي أرادتا بها احداث هذه الهوية بين السعادة والفضيلة : فالأبيقورية جعلت مبدأها في جانب الحواس ، والرواقية جعلته في جانب المنطق ؛ الأولى وضعته في الشعور بالحاجة الحسيّة ، والثانية وضعته في استقلال العقل العملي تجاه كل مبدأ حسّيّ للتعيين . فجاء تصوّر الابيقوري للفضيلة على أنها تقوم في القاعدة التي توصي الانسان بالعمل على تحقيق سعادته الخاصة ؛ وعلى العكس ، قرر الرواقي أن الشعور بالسعادة متضمن بالفعل في الشعور بالفضيلة . ومن ثم قال الرواقي إن الفضيلة هي كل الخير الأسمى ، وإن السعادة ليست إلّا الشعور باقتناء الفضيلة ؛ أما الأبيقوري فقال إن السعادة هي كل الخير الأسمى ، وإن الفضيلة ليست إلّا شكل القاعدة التي ينبغي اتباعها لتحصيل السعادة ، أي أن الفضيلة لا تقوم إلّا في الاستعمال العقلي لوسائل تحصيل السعادة .
والخطأ الذي وقع فيه كلا الفريقين هو في الربط بين عنصرين مختلفين اختلافا جذريا ألا وهما : الخير الأسمى أو الفضيلة من ناحية ، والسعادة من ناحية أخرى . إن السعادة تقوم على عناصر تجريبية بعدية ، أما الخير الأسمى أو الفضيلة فيقوم على مبادئ قبلية .
والربط بين الفضيلة والسعادة إما أن يكون تحليليا ، أو تركيبيا . لكنه لا يمكن أن يكون تحليليا ؛ لهذا يجب أن يعد تركيبيا . « وإذن فإمّا أن تكون الرغبة في السعادة هي الدافع
Bewegursache
لقواعد الفضيلة ، وإما أن تكون قاعدة الفضيلة هي العلة الفاعلة للسعادة . والأمر الأول مستحيل