تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
تتولد معرفتنا بما هو عملي غير مشروط : أمن الحرية ، أم من القانون العملي ؟ إنها لا يمكن أن تتولد من الحرية : فنحن لا نملك عنها شعورا مباشرا ، لأن تصورها الأول سلبي ، ولا أن نستنتج وجودها من التجربة ، لأن التجربة لا تعرّفنا إلا بقانون الظواهر ، أي بجهاز الطبيعة الآلي ، وهو ما يضاد الحرية . إنما هو القانون الأخلاقي ، ونحن على شعور مباشر به ، هو الذي يتجلى لنا أولا ويقودنا مباشرة إلى تصور الحرية ، بوصفها متصوّرة بالعقل على أنها تبدأ للتعيين ، ولا يمكن أن يحكمها أي شرط حسّي بل هي مستقلة عنه تماما . لكن أنى لنا أن نستشعر هذا القانون الأخلاقي ؟ اننا نستطيع أن نستشعر القوانين العملية المحضة كما نستشعر المبادئ النظرية المحضة ، بملاحظة الضرورة التي بها يفرضها العقل علينا ، وبغض النظر عن كل الظروف ( الأحوال ) التجريبية التي تفرضها علينا . « إن تصور إرادة محضة يستمد أصله من القوانين العملية المحضة ، كما أن الشعور بذهن محض يستمد أصله من المبادئ النظرية المحضة . أما أن هذا هو الترتيب الاعتمادي لتصوراتنا ، وأن الأخلاقية تكشف لنا أولا عن تصور الحرية ، وأن العقل العملي - تبعا لذلك - يقترح أولا ، مع هذا التصور ، أعوص المشاكل على العقل النظري من أجل وضعه في أشد الحرج - فهذا ما يتجلى بوضوح من الاعتبار التالي : ما دام لا يمكن تفسير شيء من الظواهر بواسطة فكرة الحرية ، وما دام الجهاز الآلي الطبيعي - على عكس ذلك - يجب أن يضع فيه الخيط الهادي ، وما دام العقل المحض ، إذا كان يريد الارتفاع إلى اللامشروط في سلسلة العلل ، فإنه يقع في نقيضه
antinomie
يضيع منها في اللامفهوم من كلتا الناحيتين ، بينما الجهاز الآلي ( للطبيعة ) مفيد على الأقل في تفسير الظواهر ، فإنه ما كان يمكن التجاسر على ادخال الحرية في العلم ، لو كان القانون الأخلاقي ومعه العقل العملي لم يتدخلا ولم يفرضا علينا هذا التصور . بيد أن التجربة تؤيد أيضا هذا الترتيب للتصورات فنيا .